الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

لست قديسا، وأعشق النساء

يستطيع أي شخص في هذا العالم أن يخرج ليخطب في الناس قائلا: "لست قديسا، وأعشق النساء"، وحين ينتهي من خطبته ينصرف من حوله كل الناس من دون ردة فعل ولا أثر يمكن أن تتركه هذه العبارة في أذهانهم، لأن هؤلاء الناس يعلمون علم اليقين أن لا قديس يوجد بينهم، ويعلمون علم اليقين أن كل رجال العالم يعشقون النساء حد الجنون ولا يتخيلون العالم من دونهم أبدا، لقد أبدع نزار قباني، هذا الرجل المجنون في عشقه للمرأة شعراحين قال:

(…)
يا رمل البحر، ويا غابات الزيتون
يا طعم الثلج، وطعم النار..
ونكهة شكي، ويقيني
أشعر بالخوف من المجهول.. فآويني
أشعر بالخوف من الظلماء.. فضميني
أشعر بالبرد.. فغطيني
إحكي لي قصصاً للأطفال
وظلي قربي..
غنيني..
فأنا من بدء التكوين
أبحث عن وطنٍ لجبيني..
عن حب امرأة..
يكتبني فوق الجدران.. ويمحيني
عن حب امرأةٍ.. يأخذني
لحدود الشمس..

(...)

من أجلك أعتقت نسائي
وتركت التاريخ ورائي
وشطبت شهادة ميلادي
وقطعت جميع شراييني...

(...)

أما وقد صدر هذا التصريح عن رئيس دولة هو سيلفيو برلسكوني، الذي يمثل حالة خاصة في المشهد السياسي الإيطالي، فقد كانت أولى ثمراته تفجُّر جدل سياسي كبير تجاوز حدود إيطاليا ليعم سائر بلدان العالم، ولا غرابة في أن يتحرك برلسكوني ليقود حملة قانونية ضد وسائل الإعلام الإيطالية كصحيفة "لاريبوبليكا" (Repubblica) وغير الإيطالية مثل صحيفة "نوفيل أوبسيرفاتور" (Le Nouvel Observateur) الفرنسية وصحيفة "ألباييس" (El Pais) الإسبانية.

بعد كشف وسائل الإعلام عن العلاقات الغرامية جمعته بالعديد من النساء خرج سيلفيو برلسكوني عن صمته ليصرخ في وجه كل الذين سخَّروا سلسلة فضائحه للنيل من رصيده السياسي الذي استطاع حيازته في فترة وجيزة جدا، وهو الذي لم يدخل عالم السياسة إلا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، صرخ في وجه هؤلاء قائلا: "لست قديسا، وأعشق النساء"، اعترف الرجل ذو الإثنى وسبعين عاما بالمنسوب إليه من علاقات غرامية بعدما هدمت زوجته فيرونيكا لاريو عش الزوجية فوق رأسه لما طلبت الطلاق، بسبب حضور برلسكوني لحفل عيد ميلاد صديقته ليتيسيا ذات الثمانية عشر ربيعا.

يبدو برلسكوني في نظر الكثيرين زعيم سياسي غريب الأطوار ورجل سياسة فوق العادة، ومرد هذا الاستغراب وتلك الدهشة هو عدم تعود الناس على سماع اعترافات القادة والسياسيين، لأن غالبية الزعماء يحرصون على أن تبقى حدائقهم الخلفية بعيدة عن أعين الصحافة التي تتعقب حركاتهم وسكناتهم إلا ما خفي منها وكان أعظم.

الرئيس الإيطالي غير كل هؤلاء القادة جميعهم، فقد صادفته ينزل ضيفا خفيف الظل على برنامج إحدى القنوات الفضائية المغاربية، ولما أثار منشط البرنامج قضية علاقاته الغرامية التفت إلى الفتاة التي كانت تساعد في تنشيط البرنامج قائلا لها: "هل من الممكن أن تعطيني رقم هاتفك؟" وأتبع السؤال بقهقهة تعالت على إثرها قهقهات الجمهور الذي كان يتابعه بالأستوديو. معنى ذلك أن الرجل لا يخجل ولا يتبرم أبدا من إثارة قضيته أمام الرأي العام، بل تراه يعتز بتجربته الخاصة ويؤكد على أنه زير نساء من الطراز الرفيع.

وإذا كانت لبرلسكوني كل هذه الجرأة في الجهر بخطيئته، فهل يمتلك غيره من القادة والزعماء نفس القدر من الشجاعة ليخرجوا إلى الناس ويزيحيوا الستائر عن خطاياهم العامة والخاصة؟

متى يخرج زعيم غيره عن صمته ليخطب في الناس قائلا: "لست قديسا وأعشق القتل والدمار"؟، متى ينفض قائد آخر الغبار عن حديقته الخلفية ليصرخ في وجوهنا قائلا: "لست قديسا، وأعشق النهب والسلب وامتصاص عرق الشعب"؟، متى يجرأ زعيم عربي فيصرح أمام الملأ قائلا: "لست نبيا، وأعشق نهب البلاد وقهر العباد وصرف الثروات فيما لذ وطاب من أصناف الأكل والشراب واللحم الأبيض العُجاب"؟

بالتأكيد أن شيئا من هذا لن يحدث، لأنه لو حدث فعلا فسنكون أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، الخيار الأول هو أن ينصب الشعب لزعيمه مشنقة بساحة عمومية وينفذ فيه حكم الإعدام، وإن لم يجرأ نفس هذا الشعب فعليه بالخيار الثاني، وهو أن ينصب هذا المشانق بعدد رقابه ويسلم نفسه دفعة واحدة للموت قربانا للزعيم المفدى حتى يترك له فرصة إقامة الليالي الحمراء بلا خوف من الفضيحة.

في وطننا العربي تظل الحياة الخاصة للزعيم سرا عظيما مدفونا خلف أسوار القصور الشاهقة بعيدا عن إمكانية الكشف والفضح، غير أن ذلك لا يمنع من تناسل الشائعات التي تحكي عن مغامرات ساخنة يكون أبطالها الزعماء ونساء من مختلف الطبقات، حكايات من ألف ليلة وليلة ترويها شهرزاد على مسامع كل العباد حتى إذا ما أدرك شهريار الصباح سكتت عن الكلام غير المباح.

[ ... ]

السبت، أغسطس 29، 2009

صفقة مكتوب.كوم و ياهو: سميح طوقان يخرج عن صمته


نعم أنا أؤكد حدوث الصفقة ونحن لم نبيعكم ولم نبيع أقلامكم. كما قال الحاج سليمان هو “اعتراف ضمني بقوة وبيان العربية على الساحة العالمية” ورغبة من ياهو بدخول السوق العربية والاستثمار فيها. لقد رأت ياهو ما لم يراه العرب وستستثمر أموالها في العقول البشرية وتطوير مكتوب والمحتوى العربي. أما الاموال العربية فأين ذهبت ؟ في الاستثمار في الحجر وبناء الابراج . لماذا لم تشتري الاموال العربية مكتوب ؟ لماذا لا تشتري الاموال العربية ياهو نفسها او غووغل ؟ لدينا المال الكثير ولكن للاسف لا نستثمر الا في الحجر وفي الاراضي. الحجر عندنا اغلى من الانسان والعقول.

الاتفاق مع ياهو هو لتطوير المحتوى العربي ودعمه بالتكنولوجيا المطلوبة وتطوير محتوى جديد. الاتفاق لا ينص على الغاء المدونات أو تكميم الافواه ومشكلتنا في تكميم الافواه هي مع حكوماتنا العربيةوليست مه ياهو. للاسف ياهو وغيرها من الشركات الاجنبية تحترم حرية الرأي وسرية المعلومات أكثر من الحكومات العربية وهذا يفسر استخدام معظمكم للبريد الالكتروني من ياهو ومن هوتميل وغيرها.

لن يتغير شيء على مكتوب وعلى مدونات مكتوب ونحن لم نبيع اقلامكم وارائكم وهي حقكم وملككم ولم تأتي ياهو لتقول لكم ماذا تكتبوا ولتغير افكاركم فهي شركة تكنولوجية ناجحة وليس هدفها التحكم بافكار الناس والا فانها لن تنجح في السوق العربي وهم يدركون ذلك جيدا. بالاضافة الى ذلك فان مكتوب سيتم ادارته من نفس الفريق باستثنائي وهو فريق عربي كامل وسيتم خلق وظائف جديدة كثيرة للعرب في مختلف الدول العربية.

مكتوب سيستمر وسيكون دائما موجود وقوته بكم وبافكاركم وياهو تعي هذا الأمر وجائت للوطن العربي لتستثمر وتكبر السوق فلنبتعد عن نظرية المؤامرة والتي هي مرض ينخز في اجسادنا فياهو ذهبت الى الصين ولكنها لم تستعمر الصين والاستثمارات الاجنبية في الصين بمئات المليارات ولكنها لم تستعمر الصين. فكلمة الصين قوية وتستخدم هذه الاستثمارات لصالحها. استعمارنا الحقيقي هو من انظمتنا ولتبقى كلمتنا مسموعة وقوية مع ياهو أو غير ياهو ولننشر لغتنا العربية وافكارنا ولنري الاجنبي ان لدينا كلمة وموقف .

أما العمل الجماعي فيجب أن ينصب في خانة توجيه الاموال العربية للاستثمار في العلم والتكنولوجيا والعقول البشرية وشراء شركات التكنولوجيا العالمية لانها المسقبل والقوة وليس في بناء مزيد من الابراج.

[ ... ]

ردا على الأستاذ سميح طوقان


نحن لم ننتظرك يا أستاذ سميح طوقان لتؤكد لنا أو تنفي صحة عملية بيع مكتوب.كوم للـ "ياهو!"، الصفقة تمت فعلا، ونحن نعلم ذلك. أما تصريحك بأنك لم تبعنا للـ "ياهو!" فيطرح أكثر من سؤال: إذا لم تكن قد بعتنا نحن المشتركين فماذا عساك بعت لهم؟ المساحة والسيرفر؟ أم بعت لهم الإخراج الفني للصفحة الرئيسية لموقع مكتوب.كوم؟ قل لنا صراحة ماذا بعت إذن؟ حدِّثنا عن كيف أقنعت الياهو بدفع 85 مليون دولار! ألم تفاوض معهم وبيدك رقم 16,5 مليون مستخدم؟ ستقول أن هذا الرقم لم يكن على طاولة التفاوض؟ وهل نحن أغبياء لهذه الدرجة كي نصدق كلاما من هذا النوع؟ ثم حدثنا، رجاء، عن مصير الـ 85 مليون دولار !، أين سوف تستثمرها بالضبط؟ يمكنك الإجابة في إطار مبدأ الشفافية، ويمكنك أن لا ترد في إطار مبدأ التعتيم وذر الغبار في العيون، لكن ألا يمكن أن نخاف من توجيه هذا الرقم المالي لاستثماره في الحجر والاسمنت المسلح كما الرساميل العربية الأخرى؟

لقد كان مكتوب.كوم يستثمر في العقول العربية والموارد البشرية العربية، فما الذي حصل الآن؟ لماذا تعطى الفرصة للأجنبي للاستثمار بدلا من العربي؟ ثم إنك يا أستاذ سميح، لست قطاعا عاما حتى تتحدث عن تشجيع الاستثمار الأجنبي بالأراضي العربية، أنت قطاع خاص غير تابع للدولة، وبيعك لمكتوب.كوم لا يمكن فهمه إلا في إطار سياقين اثنين لا ثالث لهما، السياق الأول يقول ببلوغ مكتوب.كوم مرحلة الإفلاس والكساد لعدم قدرته على المنافسة، ولا أعتقد أن الأزمة المالية العالمية قد أثرت على مكتوب.كوم دون غيره من فروع المجموعة، ولا أعتقد أن الياهو ستتدخل لإنقاذ مكتوب.كوم من حالة الإفلاس والكساد بدفع هذا المبلغ المالي الهام جدا؛ أما السياق الثاني فيقول أن السيد سميح طوقان لم يعد يرغب في الاستثمار في العالم الافتراضي وشرع في حزم حقائب مكتوب كلها بما في ذلك باقي فروع المجموعة، بعدما حقق إيرادات ضخمة وقرر التوجه نحو الاستثمار في الحجر والاسمنت مادامت كل الرساميل العربية، بلا استثناء، قد توجهت إلى الاستثمار في هذا المجال.

لا أدري ما الدافع إلى الحديث الآن عن اتفاق مع الياهو على تطوير المحتوى العربي ودعمه بالتكنولوجيا المطلوبة، لم يكن هناك اتفاق أصلا، هي عملية بيع وشراء خاضعة لمنطق السوق يا سيدي، لا مجال للحديث عن كل تلك الأشياء. أنت بعت بيعة ستكتمل مع نهاية العام الجاري، فلا تتحدث عن اندماج أو إدماج كما سبق وصرحت لقناة الجزيرة يوم الثلاثاء المنصرم.

ياهو يا أستاذ سميح ليست دولة حتى تقارنها بالأنظمة العربية في معرض حديثك عن الحرية وهامشها، ليس جديدا القول بأن حكوماتنا العربية تجتهد في تكميم أفواه مواطنيها، لكن ليس معنى ذلك أن نستنجد بالياهو من أجل تحريرنا ونشر قيم الحرية والديمقراطية، وإلا ستكون أنت من تعيد سيناريو ما وقع في العراق بالتمام والكمال، الفرق طبعا هو الافتراضي والواقعي، لكن بالمنطق الذي تحدثت عنه سنكون أمام سقوط بغداد جديدة هذه المرة. لا يستقيم القول بأن الحل في مواجهة الحكومات والأنظمة هو الاستنجاد بالأجنبي، لقد أبان هذا الحل فشله بالعراق، ولا داعي لتجريبه مرة أخرى هنا افتراضيا.

كل الذين عانقوا الكلمة هنا بمكتوب يشرئبون إلى غد عربي أكثر حرية وديمقراطية، كلهم يحلمون بالتغيير، كلهم يطمحون إلى تشييد أسس أنظمة عربية ديمقراطية، لكن كل هذه الأماني يؤلف بينها حلم كبير هو أن يكون التغيير بسواعد عربية خالصة، لا بيد الأجنبي...

لأننا، ببساطة، لا نريد أن ندخل أوطاننا على ظهور دبابات أمريكية من صناعة الياهو...

نحن لسنا من عشاق أسطوانة المؤامرة، بل نقف سوية لأجل استئصالها من الذهنية العربية، ولا نخاف الياهو أبدا، بدليل أن كثيرين منا يملكون حسابات بريد إلكتروني به. نحن نخاف أن يتحول كل حلم عربي بالحضور إلى جانب أقوى الكائنات الاقتصادية العالمية محض سراب ومجرد وهم...

نحن لا ندعو إلى منع مشاهدة التلفاز، نحن لا ندعو إلى تحريم التقاط الفضائيات، نحن لا ندعو إلى حجب أو قرصنة أو شطب المواقع المتناقضة مع معتقداتنا وثقافتنا وهويتنا ولغتنا كعرب ومسلمين، نحن لسنا بهذا الضعف والوهن، بل على العكس تماما، نحن من دعاة قهر الخوف ودحر الإحساس بالدونية في مواجهتنا للآخر، نحن من دعاة الحوار والاختلاف، نحن الطامحون إلى فرض الوجود العربي داخل هذه الرقعة الافتراضية الفسيحة جدا...

فلا تزايد يا أستاذ سميح! واعترف بكل جرأة أنك بعت واحدا من أهم وأكبر فروع مجموعة مكتوب...

[ ... ]

الخميس، أغسطس 27، 2009

صفقة بيع "مكتوب.كوم" للـ"ياهو!": إلى أين؟

الزملاء الأعزاء جميعا،

إن الرغبة في فتح النقاش حول صفقة "مكتوب.كوم" و"ياهو!" تأتي بدافع التخوف الذي أبداه الجميع بخصوص مستقبل مجموعة مكتوب ككل، وهو تخوف مشروع بالنظر إلى الخطوة المشئومة التي أقبلت عليها مكتوب اليوم.

إن الغضب العارم الذي اجتاح الكثير منا لا يندرج في خانة التعصب الأعمى للعروبة وعقدة الرفض المقيتة للمنتجات الغربية، فنداءات الرفض التي تعالت منذ إعلان الخبر لا يمكن إدراجها تحت يافطة مقاطعة المنتجات الأمريكية التي دأب الكثير على رفعها كلما فكر في إعلان حرب اقتصادية بديلة للحرب العسكرية في زمن اختلال موازين القوى. ولكنها نداءات واقعية تستمد مشروعيتها من توفر بديل عربي خالص اسمه "مكتوب"، هذا البديل الذي استطاع بفضل حنكة الساهرين عليه والمجهود الجبار الذي بذله المشتركون فيه أن يصير تجربة رائدة بالوطن العربي سال لأجله لعاب شركة الـ "ياهو!".

قانونيا، لا يمكن لأحد أن يعارض مكتوب في عملية البيع التي تمت لفائدة الـ"ياهو!"، حيث أن اتفاقية الخدمة التي وقع عليها كافة المشتركين في سياق إنشاء حساباتهم البريدية، هذه مسألة هامة وجب التنبيه إليها؛ غير أن الميثاق الأخلاقي الذي يجمع بين "مكتوب" وبيننا نحن المشتركون في خدمة البريد الإلكتروني يمكن أن يكون مرجعا صحيحا نستمد منه شرعية التحرك باتجاه العمل لأجل إلغاء هذه الصفقة؛ حيث أن شعار "أكبر مجتمع عربي للإنترنيت" الذي ما فتئت "مكتوب" تردده في سياق الدعاية لمشروعها وتوسيع خارطة انتشارها بالوطن العربي هو ما أدى بالشركة العربية إلى بلوغ نحو 16,5 مليون مستخدم حتى الآن. ولعل هذا الرقم الصعب هو الذي دفع بشركة "ياهو!" إلى التفكير في الاستحواذ على "مكتوب.كوم". إن الجميع يعلم أن الصفقة لا يمكن أن تتم في غياب هذا الرقم، والجميع يعلم أن قيمة الصفقة التي بلغت نحو 85 مليون دولار كانت مقابل شراء ذلك العدد الضخم من المستخدمين.

ومهما تكن المرتكزات القانونية التي بحوزة "مكتوب" فإن العملية لا يمكن أن تتم بعيدا عن المشتركين ومن دون مشاورتهم حتى، لأن هؤلاء المشتركين ليسوا مجرد رقم افتراضي محض، بل هم أناس من لحم ودم قدموا الكثير للموقع مقابل الخدمة المجانية التي أمدها بهم.

الزملاء الأعزاء جميعا،

بعد كل مداخلات المدونين الذين شاركوا في إغناء النقاش وتطويره، نستطيع مرحليا حصر العديد من الأفكار الهامة التي جاءت بها تلك المداخلات، وهي أفكار تبحث في سبل وأدوات إقبار هذه الصفقة المشؤومة والعدول عنها؛ وهكذا يمكن الخروج بكثير من الأفكار والمقترحات، التي جاء بها الزملاء: علي الوكيلي، محمد عبابنه، محمد سيد، نور الدين سويفى، أبو عويصة، عرباوي، الفيل--النت بتتكلم عربى، سامية فارس، حاج سليمان، د.هشام البرجاوي، زياد صافي، مى، عماد السامرائي، رفيق الدرب، مصطفى سعيد، د : سـيـد مخـتـار، شمعة فلسطينية، مسافر عبدو وكريم الجزائري؛ ونجمل تلك المقترحات والأفكار كما التالي:

1- الانتظار إلى حين آخر فصول الحكاية

2- التسليم بعودة الفرع إلى الأصل

3- مقاومة أي سياسة جديدة تفرض علينا من شأنها أن تمس بثوابتنا الفكرية والسياسية

4- التخوف من احتمال إلغاء المدونات أصلا من الشركة الجديدة دون السماح لنا بنقل مقالاتنا إلى مواقع أخرى، والمطالبة بتوفير إمكانية نقل المدونات إلى مواقع أخرى ذات المجال نفسه

5- المطالبة بضمان حرية الكتابة وعدم حجب الموقع في أي دولة أو أخرى وحرية التنقل من موقع لآخر

6- إنشاء موقع تدويني بديل، واقتراح المغرب العربي مكانا لإقامة إدارته

7- سقطت بغداد واليوم مكتوب، فهل أكلنا يوم أكل الثور الأبيض ؟

8- لابد من التريث والنظر للقضية بكافة أوجهها، ودعوة جميع المدونين للنقاش

9- ضرورة حفظ حقوقنا الفكرية

10- دراسة حجم الضرر الذي سيصيب المدونات بالدرجة الأولى قبل التفكير في الحلول البديلة

11- توكيل بعض المدونين الأردنيين للدفاع عن حقوقنا والمفاوضة مع الشركة الأم لدراسة المستجدات

12- التحلي بروح النقاشات الهادئة والرزينة

13- اعتبارنا شركاء معنويين بكامل الصفات والصلاحيات في علاقتنا بمكتوب وإطلاعنا على المستجدات والمعلومات ذات العلاقة بالقضية موضوع النقاش

14- ضرورة الاتفاق على فضاء واحد للمناقشة

15- اقتراح مدونة "مكتوب" فضاء للنقاش الهادئ والرزين مستقبلا

16- كي لا تكون خطواتنا مجرد ردات فعل ومحض انفعالات، وكي نلعب دورا هاما وحقيقيا، علينا معرفة حجم الضرر ونوعه ثم التفكير في تدابير جماعية

17- الصفقة لم تتم بعد والتواقيع النهائية في آخر العام، ومن الممكن العثور على مشتري عربي يحوز الموقع بدلا من الـ"ياهو!"، ومن الممكن أيضا عدول مكتوب عن عملية البيع

18- اقتراح توكيل المدونين الأردنيين لمحامي و قيام باقي المدونين بدعمهم ماديا من أجل رفع دعوى ضد "مكتوب"

19- التفكير جديا في إنشاء موقع تدويني بديل ندعو إليه مدوني مكتوب، واقتراح تسميته ( عربي مكتوب ) أو ( مكتوب العربي )، وتوفير الدعم المادي للمشروع بشكل جماعي

20- ضرورة إيجاد حلول تطبيقية للمشكلة، الخيارات عديدة وكلها قابلة للأخذ، علينا فقط أن نبحث في أقربها إلى غاية الاحتفاظ بتعدد روافد الأسرة التدوينية والتي ينشدها المدونون قاطبة

21- البدء بتنزيل كل المواضيعي والإدراجات بجهاز الحاسوب والاستمرار في التدوين بمكتوب في انتظار المصيبة، وإن حدثت، لا قدّر الله، لن يبقى غير حمل الأمتعة والرحيل

22- المدونات ليست على طاولة المفاوضات، إنها خارج الصفقة، ربما يتم بيعها ضمن صفقة أخرى خاصة بها، فهل ننتظر حتى تنتهي مكتوب من صفقتها هذه لنرى ما يفعلونه بنا؟ أم نطالبهم بأن يوضحوا لنا ما هو مصير مدونات مكتوب كي يسمحوا لمن يريد الفكاك من ربق العبودية بأن يحرر نفسه من هنا؟

23- علينا أن نتبين الأمر من كل النواحي، وإذا كانت هناك خروقات فلنأخذ الأمر على أساس أنه ليس لدى المدون ما سيخسره، يجب على أصحاب المشروع أو الجهة المانحة أن تفسر الأمر أكثر وكذلك الجهة المستقبلة أن توضح وتضع خيوطها العريضة من الآن، تحركوا ترزقوا

24- الأمر لا يستحق كل هذه الخطابات العصماء عن العروبة وعن بيع العروبة في سوق النخاسة، فمكتوب كموقع له أهداف تجارية يسعى لتحقيقها من حقه أن يعقد هكذا صفقة إذا رأى فيها مصلحة له والأمر بالنسبة لنا لن يفرق كثيرا. أولا لأن فرع المدونات غير معني بالصفقة وثانيا لأن البريد الالكتروني ( موضوع الصفقة ) لن يتأثر كثيرا، أما موضوع الخصوصية والخدمات المقدمة فأظن أن شركة ياهو ليست غبية لتعقد صفقة بقرابة 100 مليون دولار وتعمل على تنفير المشتركين ( 16 مليون ) من استخدام بريد مكتوب، فخصوصية المستخدمين محمية لدى جل الشركات الكبيرة والتي تحترم نفسها وأظن أن ياهو أحرص على توفير جو من الثقة لمستخدميها. يبقى موضوع المدونات والنقطة التي أشار إليها الفيل واراها هي الأهم.

فمن حق كل مدون أن يحافظ على مقالاته في حالة غلق فرع المدونات التابع لمكتوب، لهذا إن كان ما علينا المطالبة به، فهو مطالبة ادارة مكتوب بتوفير خدمة ترحيل المدونة إلى مواقع أخرى حتى يتسنى لأي مدون نقل مدونته والحفاظ على تعبه وجهده، أما حكايات بيع العروبة واستحواذ شركة أمريكية على شركة عربية فهذا أمر عادي جدا، هناك شركات عربية تستحوذ على شركات أجنبية في مجالات أخرى وهذا قانون السوق، فلماذا نقيم الدنيا حين يحدث العكس مع أن حدوث هكذا أمر عادي وطبيعي جدا؟

هي ذي كل الأفكار والمقترحات التي وردت ضمن تدخلات جميع الزملاء الذين شاركوا في النقاش الأولي حتى الآن؛ والمطلوب، وقبل الاستمرار في مناقشة قضية الصفقة، هو الاتفاق حول الفضاء الذي سيحتضن نقاشاتنا، وقد تقدم الزميل حاج سليمان بمقترح مدونة مكتوب، فما رأي باقي الإخوة؟؟؟

[ ... ]

الأربعاء، أغسطس 26، 2009

مكتوب.كوم تبيعنا للـ "ياهو!"



تناقلت العديد من وسائل الإعلام، مساء الثلاثاء 25 غشت (أغسطس) الجاري، خبر استحواذ "ياهو!" على "مكتوب.كوم"، وكانت قناة الجزيرة الفضائية قد استضافت السيد سميح طوقان المدير التنفيذي لمجموعة مكتوب في إحدى نشراتها الإخبارية المسائية للتحدث إليه حول هذه الصفقة وأبعادها.

وفي الوقت الذي تحدث فيه سميح طوقان بقناة الجزيرة الفضائية عن صفقة إدماج واندماج بين موقع مكتوب.كوم لخدمة البريد الإلكتروني، الذي يعد إحدى أهم فروع مجموعة مكتوب، وموقع "ياهو!" المتخصص في نفس الخدمة؛ تتحدث قصاصات الأنباء عن عملية استحواذ لـ "ياهو!" على مكتوب.كوم، وهو ما يدفع بنا إلى اعتبار الصفقة عملية بيع كاملة لهذا الموقع العربي إلى الشركة الأمريكية ويشكك في زعم الاندماج كما تحدث عنه المدير التنفيذي لمجموعة مكتوب، على الرغم من أن هذا الأخير وصف الشركيتن بأنهما "شريكين طبيعيين"، وقال بأن هذه الشراكة "يجب أن تساعد في تنشيط سوق الإنترنت في المنطقة ككل". هذا في الوقت الذي ذكرت شركة "ياهو!" أن موقع مكتوب.كوم سيصبح بعد الانتهاء من إجراءات الحيازة بمثابة فرع مملوك بالكامل من "ياهو!". وتجدر الإشارة إلى أن الصفقة لا تشمل باقي المنتجات الأخرى لمجموعة مكتوب، كما اعتقد البعض، على غرار مواقع "مدونات مكتوب" و"سوق دوت كوم" و"كاشو دوت كوم" و"عربي دوت كوم".

قيمة الصفقة كما نقلت مدونة "تيك كرانش دوت كوم" عن مصادر لم تسمها توازي 85 مليون دولار، فيما ذهبت مصادر أخرى إلى القول بأن قيمتها بلغت 100 مليون دولار. ومهما تكن قيمة الصفقة، فإن مستخدمي مكتوب.كوم، والمقدرون بنحو 16,5 مليون مستخدم، باتوا يطرحون أكثر من سؤال حول مصير الموقع وما ينتظرهم بعد استكمال هذه الصفقة في الربع الأخير من العام الحالي، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: ما مدى الاحتياطات الكافية التي اتخذها مكتوب للتأكّد من أن شركة "ياهو!" سوف تحترم المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها مكتـوب وبخاصةً تلك منها المتعلّقة بخصوصيّة مراسلات المستخدم والمعلومات الّتي يقدّمهـا لمكتـوب وفق ما تتضمنه اتفاقية الخدمة؟

ما يجمعنا بمكتوب.كوم نحن المستخدمون هي اتفاقية الخدمة التي نوافق عليها بجميع بنودها قبل تفعيل حسابنا البريدي، وبهذه الاتفاقية العديد من البنود التي تثقل كاهل المشترك بالكثير من الالتزامات ولا تمنحه، بالمقابل، غير القليل من الحقوق؛ في حين يتمتع المالك للخدمة كل الحقوق التي تجعل منه في موقع قوة وهو يقدم تلك الخدمة المجانية للمشترك، هذه الحقوق التي تبلغ حد إمكانية فرض رسوم في المستقبل على المشترك عند تقديم خدمات إضافية، ولا يحوز هذا المشترك غير حق رفض هذه الخدمات أو قبولها، وفي حالة الرفض سيحرم لا محالة من التمتع بتلك الخدمات. وفي ارتباط بنفس الاتفاقية تنصص الفقرة الخامسة من حقوق المالك على عدم قيام المالك بالاستخدام غير المشروع للبريد الإلكتروني للمشترك عن طريق التصرف به بالبيع أو الهبة أو بأي شكل آخر؛ ولأن الموقع يقوم في الأصل على تقديم خدمة البريد الإلكتروني للمشتركين فإن بيع هذه الخدمة لشركة أخرى يشكل خرقا واضحا لهذه الفقرة من الاتفاقية، فما الموقف الممكن تبنيه من طرف المشتركين في هذه الحالة؟، لا أعتقد أن هناك خيارا آخر غير التسليم بواقع الأمر والقبول بشراء شركة "ياهو!" لحساباتنا وانتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة، بعد استكمال الصفقة.

إن الملفت للانتباه هو انطلاق موقع مكتوب.كوم في الترويج لهذه الصفقة عشية الإعلان عنها رسميا، حيث تطالع المتصفح للصفحة الرئيسية للموقع صورة إعلانية متحركة كتب عليها "مكتوب Maktoob YAHOO ! – أفضل ما على الإنترنيت باللغتين – عالم الإنترنيت العربي سيغدو أكبر...أكبر"، هذا في الوقت الذي لا تتضمن الصفحة الرئيسية لموقع "ياهو!" أية دعاية لهذه الصفقة، إضافة إلى تثبيت شعار الـ "ياهو!" إلى جانب شعار مكتوب.كوم، إنها الفرحة العارمة التي تجتاح قلب المدير التنفيذي وخلفه قلوب كوادر إدارة الموقع وهم ينتهون للتو من بيعنا إلى الشركة الأمريكية.

حتى وقت قريب ونحن نتغنى بوجود موقع عربي خالص لخدمة البريد الإلكتروني استطاع أن يحوز ثقة الملايين من المستخدمين العرب لشبكة الإنترنيت، وحتى وقت قريب ومجموعة مكتوب تردد شعار "أكبر مجتمع عربي للإنترنيت"، لكن الذي حدث اليوم سيذهب بنا بعيدا حد الخوف على استحواذ نفس الشركة أو شركات أخرى على باقي فروع المجموعة العربية. إن الإحساس بالخيبة الذي يتملكنا اليوم مرده الوحيد والأوحد هو هذا الجشع الأمريكي الطامح إلى الاستحواذ على كل مقدرات البلاد العربية، حتى الافتراضية منها.

لقد كان الإحساس فظيعا للغاية ونحن نُباع نهارا جهارا للأمريكيين، لقد كان الشعور مقززا ونحن نُقتاد كالقطيع إلى حظيرة الـ "ياهو!" كي تصنع بنا ما شاءت.

فهل للسوق منطق أو قانون غير البقاء للأقوى؟

[ ... ]

الخميس، أغسطس 20، 2009

المؤتمر السادس لحركة فتح: حوار مع الفلسطينية سامية فارس



سامية فارس: لو كان فاز السيد أحمد قريع، هل كان سيطعن في نزاهة الانتخابات ؟


تفجّر النقاش قبل انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح، واستمر خلال أيام انعقاده، واتسعت دائرته بعد اختتامه. ولم تكن تصلنا غير قصاصات الأنباء عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومقاطع من التصريحات اليومية للناطق الرسمي باسم المؤتمر السيد نبيل عمرو. الآن، وقد أعلن رسميا عن اختتام أشغال المؤتمر، نستطيع أن نفتح نقاشا هادئا حوله مع الأديبة والإعلامية الفلسطينية سامية فارس التي شاركت بالمؤتمر السادس وتابعت تفاصيل أشغاله حتى نهايتها.

1) اختتم المؤتمر السادس لحركة فتح بعد 20 سنة، ما هو تقييمك للأجواء التي مر بها؟ وما هو رأيك بما جاء بنص البيان الختامي؟

سادت المؤتمر أجواء مشحونة بالتوتر وبإرهاصات الغياب لعشرين عاما، حيث تراكمت شؤون وشجون كبيرة احتاجت لهذا العصف والاختلاف والاتهامات والمكاشفة الصريحة والجريئة غير المعهودة، احتاجت لتدخل الرئيس المباشر لفض الخلافات والتي وصلت حدتها إلى التهديد بالانسحاب وقلب الطاولات، وإطلاق النار خارج قاعة المؤتمر لمنع المرافقين للمسؤولين الكبار من الدخول بأسلحتهم، كل هذه الديمقراطية النموذج كانت تبث على الهواء مباشرة بحيث امتصت حدة الأجواء المشحونة وساد الجو الديمقراطي على خطاب الجميع حين استمع هذا الجميع للجميع. من هنا بدأ النصر والنجاح يشق مسار المؤتمرين حيث جنح الجميع إلى التوافق والى التسامي من اجل نجاح المؤتمر..

نجحت فتح في انبعاثها من رماد الهزائم المتلاحقة أقوى وهي تضخ دماء جديدة في الحركة، والأهم أنها استطاعت فصل الحركة عن السلطة وسياستها، وهذه كانت من الأمور الصعبة، لكن أعضاء من الممتعضين من مسار عملية التفاوض وفشلها حتى الآن نجحوا في فصل الحركة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، من هنا احتجت إسرائيل وبدأت بالتهديد والرفض لنتائج المؤتمر.

ما جاء في نص البيان الختامي، وإن كان لا يصل سقفه إلى مستوى طموحات الأغلبية في استعادة حقوقنا التاريخية والشرعية في فلسطين، إلا أنه أتى الأقرب إلى الآمال المتاحة عربيا ودوليا. فاليوم ليس كالبارحة، وموازين القوى والرأي العام العالمي لا يصبان لصالحنا !

التقارير وبرامج المؤتمر وآلية عمله ومنهجية تعاطيه ستكون هي الاختبار، اليوم لجنة مركزية جديدة أمامها ملفات كبيرة ومهمات شاقة ومسئوليات، ملفات صعبة على كل الأصعدة، الملفات الخارجية والداخلية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، المستوطنات والجدار والحواجز واعتداءات عصابات المستوطنين، والمداهمات اليومية لجنود الاحتلال لمدن وقرى الضفة الغربية، تهويد القدس وسياسة الغطرسة وفرض الأمر الواقع، وملفات الاستيطان ، مواجهة دول العالم بجميع مؤسساته التي تكيل بمكيالين ولا تعتبر المناضل الفلسطيني من البشر وهو يدافع عن حق مشروع بينما تعتبر شاليط المعتدي بطلا ويتجند كل دعاة الإنسانية لإطلاق سراحه، في الوقت الذي يُزج بـ 12 ألف بطل مناضل أسير في سجون الاحتلال الغاشم بعذاباتهم وآلامهم ولا أحد يناصرهم، ملف المقاومة، مفاوضات ستة عشر عاما لم تحقق غير المصائب على شعبنا، ملف الأسرى في السجون، واللاجئين ومشكلاتهم في دولهم، و ملف المياه وتلوث البيئة والفقر والبطالة والتعليم. كل هذا طرح للمعالجة في بيان المؤتمر، الشعب الفلسطيني ينتظر من حركة فتح أن تدرس بدقة فائقة معطيات كل ملف من تلك الملفات الصعبة المطروحة، البيان شامل ويلم بتفاصيل القضية السهلة والمعقدة.

2) البرنامج السياسي لحركة فتح شدد على التمسك بخيار السلام وأكد في الوقت نفسه على خيار المقاومة بكل أشكالها كحق مشروع للشعوب المحتلة في مواجهة محتليها، كيف لفتح المزاوجة بين البندقية والغصن الزيتون؟ ومتى يمكن الانتقال من خيار السلام إلى خيار المقاومة في ظل ما تتعرض له القدس وما تواجهه غزة من حصار والتوسع الاستيطاني المتواصل؟

ما من جديد في هذا الأمر، لم تتنازل فتح كحركة عن السلاح، وعلينا التمييز بين الحركة والسلطة التي فاوضت وتبادلت إعلان الهدنة أثناء التفاوض مع المحتل في إطار عملية السلام وإن كان يرأس السلطة رئيس الحركة.

لنتذكر خطاب الرئيس أبو عمار في الأمم المتحدة لأول مرة في تاريخ النضال الفلسطيني في 13\11\1974 وهو يخاطب العالم حيث وقف قائلا: "أتيت إلى هنا حاملا غصن الزيتون بيد وبندقية المقاتل من أجل الحرية في اليد الأخرى. فلا تدعوا غصن الزيتون يسقط من يدي".

أبو عمار القائد التاريخي للحركة كرّس لشرعية البندقية (الكفاح المسلح) وللدخول في عملية السلام كمسار فرض في أجواء التهافت العربي للسلام مع إسرائيل !

ترك الختيار بحنكته المعهودة لحركة فتح كحركة وللشعب الفلسطيني أيضا خيار المقاومة رغم وجود عملية السلام والتفاوض، كان يفاوض ويقاتل، وشعبنا من حقه المقاومة والعودة إلى زخمها متى شاء، طالما ضربت إسرائيل بعرض الحائط كل الاتفاقيات وتتلاعب بخطاب السلام كحجارة النرد.

قدم أبو عمار وأعضاء السلطة إلى أرض الوطن حاملين غصن الزيتون ماضين بجدية في عملية السلام، حتى قتل المطبخ العسكري الإسرائيلي إسحاق رابين مهندس عملية السلام الأقوى، حيث تنكر دهاة إسرائيل فيما بعد لكل عملية السلام فكانت انتفاضة الأقصى في ظل غصن الزيتون حيث بدل بالبندقية وبالعمليات الاستشهادية التي أتت بتوازن الرعب. هذه الحركة ما ينخاف عليها.

3) كيف يمكننا التفريق بين الحركة والسلطة؟ أليست حركة فتح هي من تدير دفة السلطة الآن؟ وهل ما زال خيار السلام قابلا للتبني من طرف فتح في ظل الصلف والتعنت الإسرائيلي؟ ألا تعتقدين أن الرهان على هذا الخيار بات رهانا خاسرا؟

هناك مغالطات كبيرة لم تحرص الحركة بحرسها القديم على تفنيدها، فتح ليست هي السلطة ومنذ قدوم السلطة، لأن فتح شاركت في السلطة كأي فصيل مشارك في حكومات السلطة المتعاقبة حتى حكومة الوحدة الوطنية التي شاركت فيها الفصائل من حزب الشعب وفدا والجبهة الشعبية والديمقراطية وجبهة التحرير العربية ومستقلين، غير أنها لا تشارك منذ الانقلاب الأسود لحماس في حكومة سلام فياض ومع ذلك يعيش الإعلام مغالطات يتهم فيها فتح بحكومة لا تشارك بها فيقال سلطة فتح في الضفة !!

لا يعني أن يكون الرئيس محمود عباس المنتخب لرئاسة السلطة هو من ينوب عن الحركة في حكومة التكنوقراط الحالية، ومع ذلك تتحمل فتح أوزار أو نجاحات الحكومة وهي خارجها.

لذلك تم التأكيد على فصل الحركة عن السلطة، لتبقى الحركة حركة تحرير ومقاومة حتى الدولة والحرية.

تضم اللجنة المركزية الآن تيارات فتحاوية عدة لا يمكن لها التوافق كالسابق على كل ما يطرح من سياسة، بمعنى أن زمن سياسة البصم والموافقة العمياء ذهب وولى، هناك تيار قوي الآن في فتح يرفض مسار التفاوض العقيم ويضع حدا لسقف التفاوض الذي يمنح إسرائيل الوقت لتسمين الاستيطان وابتلاع المزيد من الأرض وتهويد القدس المحاصرة بحيث سنصل تاليا إلى واقع لا يوجد به أرض للتفاوض عليها.

4) هل هناك خيط ناظم بين ما تقدم به فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية من اتهامات واضحة على تورط عباس أبو مازن ومحمد دحلان في تسميم الشهيد ياسر عرفات والقرار الصادر عن المؤتمر بفتح تحقيق حول وفاة الرئيس الراحل؟ ولماذا تم توظيف كلمة "وفاة" وليس "اغتيال"؟

وظفت كلمة ( وفاة ) لأن الحقائق حول عملية الاغتيال لم تثبت حتى الآن رغم كل اللغط الحاصل

الحقيقة هي الخيط الناظم بين كل فئات الشعب الفلسطيني، الجميع يريد معرفة أسباب وفاة أبو عمار، لأن الغموض ما زال يلف تلك المأساة والفاجعه بحق الرئيس أبو عمار كما هي بحق الشعب الفلسطيني أيضا.

ما يقارب الخمس سنوات على وفاة الرئيس أبو عمار لم يهتم خلالها القدومي رفيق درب الرئيس ياسر عرفات لأمر اغتياله، فما الذي جعله فجأة يهتم به عشية انعقاد المؤتمر الفتحاوي السادس ؟؟!! فطن الآن إلى حب أبي عمار وحق أبي عمار عليه ؟؟ هل هو الواجب نحو كشف الحقيقة ؟؟ أم هو واجب مشبوه لتفجير المؤتمر ؟؟

القدومي لم يهتم لحال أبي عمار وهو تحت الحصار ثلاث سنوات وأكثر، لم يحادثه ولم يعمل لرفع الحصار عليه ولو بالإدانة الكلامية، ترك الرئيس في حصاره مقاطعا من كل الزعماء والملوك العرب إلا الرئيس الشهيد صدام حسين، حتى من رفاق دربه وعلى رأسهم القدومي فلماذا الاهتمام الآن ؟؟ ولماذا يطلق قنبلته من أرض الأردن وليس من مكانه في سوريا ؟؟ أسئلة أجوبتها عند القدومي.

على كل حال هناك لجنة تكونت لمتابعة أسباب الوفاة (اغتيال) الرئيس الشهيد أبو عمار وستستعين بخبراء ومحققين عالمين لكشف الحقيقة، سيحاسب من بعد كل متورط إن ثبت تورطه مهما علا شأنه ومكانته.

5) أضحى محمد دحلان منذ سقوط غزة في يد حماس المتهم الرئيسي بالوقوف وراء هذا السقوط، لكنه استطاع مع ذلك الفوز بمقعد باللجنة المركزية لحركة فتح مع أنه أثار دحلان جدلا كبيرا وعاصفا أثناء المؤتمر، هل يعني فوزه وجود قوة ضاغطة تسعى لأن تبقي على القطيعة مع حركة حماس؟

كان لمحمد دحلان خطابا مدويا في المؤتمر، من وجهة نظري كان مقنعا من خلال الحقائق التي سردها، وأهمها تضخيم ملفات الفساد من قبل البعض في فتح قبل حماس التي استغلت الأمر ودفعت بكل قواها لنشر الفساد الفتحاوي وتضخيمه وتتويج دحلان على قمة الفاسدين، واتهم البعض في السلطة في تغاضيهم عن عملية تسليح وتدريب حركة حماس من طرف إيران، وحملهم أسباب نجاح حماس في الانقلاب لأن فتح كانت منشغلة بتصفية حسابات بين البعض من الكبار؛ ثم إنه، أي دحلان، كان غائبا لأشهر ما قبل الانقلاب في رحلة علاج بألمانيا، كما أنه كان يرأس وزارة الشؤون المدنية في الضفة وفي ظل حكومة هنية لفترة طويلة ما قبل الانقلاب، ولم يكن على رأس أي جهاز أمني، هنا صفق الحضور طويلا لدحلان.

لا أظن أن من صوت لدحلان فكر في الإبقاء على القطيعة مع حماس، إن لدحلان كاريزما القيادي المحبوب لدى الإخوة الغزاويين، هذا اختيارهم، وهذه هي الديمقراطية الفلسطينية التي فاز بواسطتها دحلان، كما فازت عن طريقها حركة حماس أيضا.

6) إذا كان محمد دحلان بكل هذا المستوى وبهذه الصورة، فلماذا تفجر كل ذلك الجدل حوله بعد سقوط غزة في يد حماس؟

ربما كان دحلان بحسب الإعلام الممنهج هو الرجل الأكبر والأقوى في الساحة الغزاوية، ودائما تكون الخطيئة بحجم الشخص، حيث شكل دحلان قوة مرعبة وهو يرأس جهاز الأمن الوقائي من وجهة نظر الإعلام الموجه والممنهج أيضا. سمعنا عن قوة الرجل الكثير، لكن النتائج على أرض الواقع فندت تلك الأقاويل كل مزاعم قوة دحلان وجبروته.

أنا لا أومن بأي هالة إعلامية تحيط بأي كان سلبية كانت أم إيجابية. أريد الحقيقة، أريد وقائع ومماسك للمسائلة والمحاكمة.

قيل انه قتل وبطش وسحل، فهاتوا أسماء من بطش بهم وسحلهم ليقدموا مماسك حقيقية عليه لنقدمه للمحاكمة العادلة من دون غوغائية وكلام في الهواء، قيل أنه لص يمتلك الأبراج في دبي، فهل تملّك الإمارات أي عربي عقارا في دبي حتى تملك الفلسطيني؟؟ أريد أجوبة واضحة وليس كلام الجهالة بالمقاهي. يقال أن دحلان يمتلك نصف أبراج غزه، فهاتوا أوراقا رسمية تؤكد تملّكه لتلك الأبراج لنحاسبه. دحلان ابن مخيم خان يونس المعتقل 12 عاما في سجون الاحتلال، عمل في مناصب عدة براتب معروف، تعالوا نحاسبه ونجرده من أمواله وننقص منها سنوات السجن، فما يزيد، إن وجد، سنسائله من أين لك هذا؟؟ هذا ما أومن به في عملية توجيه الاتهام.

7) هاجم عضو اللجنة المركزية ورئيس وفد المفاوضات السابق أحمد قريع انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح بسبب ما وصفه بعمليات التلاعب التي جرت بها وأكد انه تقدم بطعن رسمي في العملية الانتخابية بأكملها . وقال قريع في حديث لصحيفة " القدس العربي" أن هناك علامة استفهام كبيرة حول الانتخابات وطريقة إجرائها وفرز الأصوات ؟

مؤكدا أن ترتيبات حدثت خلف الستار وأدت إلى استبعاد بعض الأسماء وفرض أسماء أخرى بسبب متطلبات المرحلة الحالية . وهدد بأنه سيخرج علي الملأ ليتحدث عن كل شيء بالتفصيل؛ ما طبيعة التلاعبات التي تحدث عنها قريع؟ ماذا قصد بالترتيبات التي حدثت خلف الستار؟ ماهي متطلبات المرحلة التي فرضت استبعاد أسماء بعينها على حد قول أحمد قريع؟ وماهي التفصيلات التي من الممكن أن يتحدث عنها قريع على الملأ؟

لو كان فاز السيد أحمد قريع، هل كان سيطعن في نزاهة الانتخابات ؟؟ قريع كان متواجدا ساعة بساعة لحظة فتح الصناديق، كما تابع تفاصيل عملية الانتخاب المراقبة بدقة ومن طرف لجان ضمت كل الفصائل الفلسطينية وأيضا من طرف مراقبين يمتازون بالنزاهة ومن جهات محايدة ليس لها أي مكسب من فوز هذا أو ذاك.

لو كنت مكان السيد أحمد قريع لما ترشحت ولمنحت للدماء الجديدة كل الفرص، ووضعت نفسي في مجلس حكماء فتح المقترح، يكفي ما قدم من سنوات العمر الطويلة، آن لفرسه أن تترجل.

قريع ما زال ملف الإسمنت يلاحقه في أذهان من اقترع، لهذه الأسباب أخفق في الفوز، وأظنه لن ينجح في شق الصف في فتح لهذه الأسباب.

كما ذكرت كل الصناديق كانت تفتح أمام الجميع، حيث أفرزت أسماء الإخوة في اللجنة المركزيه والتي ضمت أربعة من الحرس القديم للجنة وأربعة عشر من الأعضاء الشباب.

صندوق واحد أربك العملية بعد أن اتضحت نتائج الفرز ولصالح من فاز، حيث تعادل أخوين في الأصوات هما الدكتور محمد اشتيه من الجيل الجديد والدكتور نبيل شعث من الحرس القديم، فحل الأمر بدخول د.نبيل شعث مكان واحد من أربعة يحق للرئيس تعيينهم في اللجنة المركزيه وبحسب الدستور.

لم يستبعد أحد وهذا ما أفرزته الصناديق وسيقتنع قريع في النهاية.

8) ألا يمكن القول بأن تلك التلاعبات التي تحدث عنها أحمد قريع هي التي قطعت الطريق أمامه للوصول إلى اللجنة المركزية؟

ليس هناك من تلاعب، الجميع من لجان مراقبة ومؤتمرين كانوا في حالة استنفار دائمة، والفرز تم تحت عدسات الكاميرا أيضا، من أخفق فقد أخفق ولا أمل لمن أخفق في عملية الطعن، لأنها ستفرز ذات النتائج. على الأخ أحمد قريع أن يتقبلها بصدر رحب، هذه هي الديمقراطية الفتحاوية الجديدة والتي يجب أن يفهم مخاضاتها وألم نتائجها كل الإخوة.

9) ذكرت صحيفة" القدس العربي" أن مجموعة كبيرة من أعضاء اللجنة المركزية السابقين وشخصيات كبيرة في حركة فتح تبحث فيما بينها تشكيل ما يطلق عليه مبدئيا " فتح الصحوة"، هل هذا يعني بالنسبة لحركة فتح بداية انقسام داخلي أم انشقاق أم مجرد حركة تصحيحية؟

ربما هذه من أمنيات أعداء حركة فتح وهم كثر، وعبد الباري أولهم، لا أعرف ما الذي يريده عبد الباري بعد أن نجحت فتح. كان يراهن هو وسواه على فشل انعقاد المؤتمر، وها هو المؤتمر ينجح بما يفوق التصور، وتنبعث فتح أقوى بدمائها الجديدة وبأعضاء اخترناهم بضمير فلسطيني حي. لن تنقسم فتح وسيفشل الرهان.

فتح ليست سرير الغريبة...

فتح خلي الصلاح صاحي.....

[ ... ]

الأربعاء، يوليو 29، 2009

حين تركت سلاحك...

إلى روح الصديق قاسم الزاكي وابنه محمد


حين تركت سلاحك هناك بجبهة الذود عن حوزة الوطن وعدت لحضنك الدافئ حيث الزوجة والأبناء، كنت تشيد قصر أحلامك الكبيرة كي تسكنه رفقتهم، وتحيى ما تبقى لك من حياة بعيدا عن أهبة الاستعداد الدائمة لإطلاق العنان لطقطقات المدافع وطلقات البنادق وهدير الطائرات المقاتلة و الاعتراضية وقاذفات القنابل...

كنت ترسم لنفسك لحظات من غبطة وهناء، وكنت تنسج بيديك خيوط غد بلون الحياة بعيدا عن شبح الموت الذي كان يتربص بك في كل لحظة وأنت ترابط هناك فوق صفيح وقف إطلاق نار الساخن والمهدد بالانهيار في أي وقت...

لكنك اليوم، وبعد أن أمضيت خمس سنوات بين ظهراني أسرتك الصغيرة، ها أنت تغادر دون إذن منك، تغادر في غفلة منّا ومن كل الذين يخلصون لك الود والمحبة، تغادر الحياة كي تعانق الموت قسرا، وأنت الذي كنت تجابهها كل يوم هناك على شريط الحدود الملتهب...

لم تغادر وحدك، بل غادر قبلك فلذة كبدك الذي كان على مشارف الالتحاق بالمدرسة العسكرية للتكوين، غادر وتركك تنتظر بعده خمسة عشر يوما كي تلتحق به هناك، ربما تكملان نسج شريط الأحلام معا...

على الرصيف، تسيران، أغلب الظن أنكما كنتما تتجاذبان أطراف حديث لم يبتعد عن ملامسة تفاصيل المستقبل؛ لكن فجأة تحيد سيارة مجنونة يقودها سائق مجنون عاد من مهجره للتو لتسرق منكما الروحين وتعبث بجسديكما كيفما شاءت...طار رأس محمد بعيدا عن جثته، أما أنت فأقلتك سيارة إسعاف على وجه السرعة من سيدي قاسم إلى مكناس لتلقي العلاج، كان التقرير الأولي يوحي بأن الأمل في العودة للحياة عزيز، أمسكت عن الكلام رغما عنك، نزيف داخلي في الرأس، كسور على مستوى الضلوع والرجلين...لكن مع ذلك بتنا متمسكين بالأمل الضعيف، ننتظر خبرا سعيدا من مستشفى محمد الخامس بمكناس، إلى أن جاءنا نبأ غيابك القسري عنا...

وأنت تغادرنا إلى مثواك الأخير، كنا نمسك بما تبقى لدينا من ذكريات جميلة جمعتنا بك، ونمعن في محبتك أكثرفأكثر، ونرفض أن نغادر محراب الحب الذي أمطرنا قبرك به حتى قبل أن توارى الثرى...

غرست على رأس قبرك زهرة أقحوان وقفلت متأبطا بعضا من قصيدة للسوري جمال الطحان:

كان النهارُ يدافعُ الشمسَ الكسيرةَ عندما
رأسٌ تدحرج باتّجاه المدرسةْ
ويدان تجتاحان أبنيةَ الصديد
وتذيب في دمها أفانينَ الحديدْ
في كلّ دربٍ زفرةٌ
في كل ركنٍ صرخةٌ
في كل بيتٍ جُثَّةٌ
في كلّ أغنيةٍ شهيدْ

...

[ ... ]

الأحد، يوليو 26، 2009

نوال المتوكل تعدم أحلام 130 ألف طفل في التخييم

أعد الملف: فوزية خطابي

أسبوعية مغرب اليوم المستقلة (العدد28 – الجمعة من 24 إلى 30 يوليوز 2009)

فتح موسم المخيمات الصيفية، النقاش حول مصير البرامج السابقة، خاصة "العطلة للجميع" الذي راهن على الرفع من سقف عدد المستفيدين إلى 200 ألف، والذي كان يهدف إلى جعل برنامج التخييم الصيفي خدمة عمومية، من خلال الرفع من عدد مراكز التخييم، لكن ودون أي إعلان رسمي تم سحب هذا الشعار بشكل تدريجي ابتدأ من السنة الماضية، ليصبح، عدد المستفيدين، اليوم، لا يتجاوز 70 ألف، في ظل البرنامج الجديد "العطل والترفيه" لموسم 2009، والذي تم الإعلان عنه من طرف وزارة الشبيبة والرياضة في آخر لقاء لنوال المتوكل من المنابر الإعلامية المغربية.

برامج بالجملة وتطبيق بالتقسيط

ستتبنى الوزارة تحت رعاية البرنامج الجديد "العطل والترفيه" تجربة التعاقد مع المتعهدين في ما يتعلق بالتغذية بالمخيمات الصيفية، والتي تشمل 11 مركزا يستفيد في سنة 2008، في انتظار أن تعمم التجربة على جل مراكز التخييم في المغرب. هذه التجربة دفعت بالوزارة إلى الرفع من المنحة المخصصة لوجبات الغذاء إلى 35 درهما لكل طفل عوض 20 درهما التي كان معمولا بها سابقا.

غير أن التقييم الأولي لهذه التجربة لا يشير إلى نجاحها حسب ما صرح به أحد المصادر المطلعة لـ "مغرب اليوم"، التي أعربت عن قلقها إزاء التغذية التي تمنح للأطفال، باعتبارهم ضحايا شركات الممونين. فهذه الأخيرة لا تحترم البرنامج المسطر، وبالتالي تخلق نوعا من التعثر فيما يخص الإستراتيجية غير الواضحة المعالم، والتي لا تتماشى مع حاجيات الأطفال، في حين أن الوجبات المقدمة يجب أن تكون متوازنة لتعوض الطاقة المحروقة للأطفال، تتناسب والنشاط اليومي للمستفيدين. كما يشير نفس المصدر إلى عائق الوقت بسبب التأخر في تقديم الوجبات بالنسبة للمراكز الفرعية، مما دفع بالمؤطرين والجمعيات إلى الاحتجاج أمام مندوبية الشبيبة والرياضة لمركز هرهورة تمارة، الذي وعد بمعالجة الأمر، غير أن عدم تجاوب المتعهدين وتماطلهم يعرقل السير العام للبرنامج، ويقول "مثلا أنا لدي في المركز 150 طفلا، فيما أواني تقديم الأكل تكفي فقط 80 طفلا، مما يضطرنا إلى وضع الفوج الثاني في دائرة الانتظار، حتى ينتهي الفوج الأول ويتم غسل الأواني من بعده، لتقدم إلى الفوج الثاني، الشيء الذي يكلفنا تأخير ممارسة النشاطات لمدة ساعتين"، وهذا ما يجعل تجربة الوزارة فارغة في محتواها التنظيمي. ولا يعيب نفس المصدر، التجربة في حد ذاتها، وإنما يعيب عدم تفعيل التجربة وغياب نظام المراقبة، بالإضافة إلى إلغاء دور المقتصد العام الذي أصبح لا يخرج عن نطاق المتفرج، والذي من المفترض أن يكون المشرف العام على شؤون التغذية.

أما بالنسبة لثمن وجبة الغذاء، فهي تبقى رهينة بدفتر تحملات كل مركز، والملف الذي يتقدم به كل متعهد، والتكلفة تتراوح، في الغالب، ما بين 32 و35 درهم، وهي لا تخص فقط ثمن وجبة الغذاء إذ تدخل فيها الخدمة وقيمة التجهيزات وأجرة المستخدمين والنقل.

والسبب الكامن وراء تراجع نسبة المستفيدين من برنامج "عطلة للجميع" راجع إلى غياب البنية التحتية والنقص الحاصل في عدد المخيمات الصيفية الذي يحول دون تحقيق أهداف البرنامج، الغير منحصر، فقط، في فترة الصيف، وإنما هو برنامج يسري على طول السنة من خلال التدريبات والدورات التكوينية، و200 ألف مستفيد هي ليست فقط للأطفال بل يحتسب فيها اليافعون والأطر وما إلى ذلك، والهدف من تقليص النسبة هو الرفع من جودة الخدمات، التي ما زالت تعرف تعثرا واضحا، لأنه حاليا وفي ظل التجربة الجديدة لنظام المتعهدين "بيني وبينك الأطفال في المخيم راهما جيعانين"، ويجب أن الضرب على أيدي بعض شركات المتعهدين التي تعيش حالة من اللامبالاة في تسيير واحترام المسؤولية التي أنيطت بها.

غير أن مستشار وزيرة الشبيبة والرياضة، أنور حدجي، أكد في اتصال مع "مغرب اليوم"، أن المتعهدين يخضعون لنظام مراقبة من طرف خلية مركزية من طرف الوزارة تقوم وظيفتها على زيارة مجموعة من الفضاءات بشكل فجائي بدون برنامج، وتنظر إلى مدى احترام دفتر التحملات الذي تم التعاقد عليه مع الوزارة الوصية، ويضيف أنه لحد الآن لم يتم تسجيل أية مخالفة من طرف المتعهدين.

ويوضح حدجي أن نسبة المستفيدين التي حددت في 200 ألف هي عرض سبق أن قدمته الدولة ليكون برنامجا على طول السنة، وتدخل في إطاره المحطات الشتوية والتداريب الربيعية، بالإضافة إلى موسم الصيف ثم اللقاءات الإعدادية والدراسية، التي يمكن أن تعطي 200 ألف مستفيد أو أقل، وتطمح الوزارة إلى الرفع من عدد المستفيدين إلى 420 ألف مستفيد في أفق 2020، فمشكل تقليص عدد المستفيدين غير مطروح، في المقابل يعتبر مستشار الوزيرة أن مناقشة الكم ليست بالهاجس الكبير للوزارة بقدر ما يتم التركيز على جودة الخدمات، فالبرنامج الجديد "العطل والترفيه" يهدف إلى تحسين مستوى المراكز، والرفع من مستوى الخدمات والأنشطة.

محمد القرطيطي: رئيس الهيئة الوطنية للتخييم لـ"مغرب اليوم"

إذا احترمت كل الالتزامات والنوايا المصرح بها، فلن يكون هناك أي إقصاء

أو تراجع

ماهو برنامج موسم التخييم خلال هذا الصيف؟

قبل أن تنظيم موسم التخييم الحالي، كانت هناك فعاليات على صعيد التداريب وملتقيات اليافعين الشباب ولقاءات دراسية وتكوينية غطت فصلي الشتاء والربيع؛ استفاد منها حوالي 20 ألف متدرب، وستعود هذه الفعاليات للظهور بعد الصيف لاستكمال برنامج مخيمات نهاية الأسبوع، أما بخصوص موسم الصيف "مخيمات فضاءات للتربية والترفيه" يتوقع أن تبلغ الاستفادة من المخيمات القارة حوالي 73 ألف مستفيد في 43 فضاء، والمقامات اللغوية 500 مشارك (التركيز على تعلم اللغة الإنجليزية).

ألا ترى أن عدد المستفيدين في تراجع، سيما ان سقف المستفيدين كانن في السابق، محددا في 200 ألف مستفيد؟

بالنسبة لمسألة التراجع من عدمه، استطيع القول إنه إذا تم احترام التزامات الوزارة في المحافظة على حمولة المخيمات القارة في حدود 80 ألف مستفيد، والمخيمات الحضرية في 40 ألفا والمقامات اللغوية واللقاءات الموضوعاتية في 40 ألف مستفيد، واللقاءات الدراسية في 30 ألف مشارك والتأطير بالمخيمات والتداريب واليافعين في حدود 10 آلاف، وتم توزيع الباقي على مخيمات نهاية الأسبوع، إذا التزمت الوزارة بهذا التوزيع، وتعاونت من أجل تنفيذه وتوفير المستلزمات والوسائل، لن يكون هناك تراجع من أساسه، والهيئة ملتزمة بالمحافظة على المكتسبات، وتسعى دائما إلى تطويرها والرفع من سقفها.

كيف تنظر الهيئة على تجربة المتعهدين بالمخيمات؟

هناك رأيان الرأي الرسمي الذي تمثله الوزارة ويطمح إلى توسيع هذه التجربة على اعتبار أنها تستوفي كل الشروط المتعلقة بالتوازن الغذائين ثم صحة الأطفالن وأخيرا ربح الوقت للتفرغ إلى الأنشطة.

والرأي الآخر، تمثله الجمعيات على الأقل، والذي يقول على أن هذه التجربة تستلزم دراسة معمقة ولا يجب أن تمس الجانب التربوي في المخيم، لأن التغذية في المخيمات سابقا هي ركن من الأركان التي ينبني عليها النشاط. وفي جميع الحالات، نحن مع المتعهدين إذا ما توفرت المراقبة وكذا شروط وآليات نجاحها، وإذا فشلت بشكل مباشر أو غير مباشر فنحن ضدها. غير أنه سيكون من المبكر تقديم حصيلة لتقييم تجربة الممونين في نسخته الثانية، بل سنقوي اتصالاتنا مع المراكز الإحدى عشر لكي نرصد انعكاس التجربة على حياة الأطفال وهذا ما يهمنا بالأساس.

إلى ما ترجع نقط الخلاف بينكم وبين الوزارة؟

إن مرافعة الهيئة الوطنية للتخييم تنبني، أساسا، على الدفاع عن مصالح الطفولة المغربية، وعن الحق في التربية والترويح والعطلة المؤطرة والتنشيط السليم. وهذا يعني المطالبة بتوفير كل الوسائل المادية والبشرية لتقديم كل الخدمات، انطلاقا من الدور الذي يلعبه الشباب والأندية والمراكز والفضاءات مرورا بالتزامات كل الأطراف التي تحددها السياسات العمومية، وصولا إلى النهوض والإقلاع والارتقاء إلى الأفضل بالنسبة للطفل باعتباره جيل المستقبل. إذا وقع ما يفسد هذه المرافعة، حتما ستكون هناك خلافات، وسيبحث كل طرف عن أنجع السبل لإيجاد الحلول المناسبة.

وماذا عن برنامج "عطلة للجميع" وما انعكاساته على أرض الواقع؟

"العطل والترفيه" هو برنامج جاد بفلسفة تشاركية وبعرض مفتوح ينبني على رغبة كبرى في توسيع المشاركة أكثر فأكثر، وحدث أن تدرجت أرقام الاستفادة في الارتفاع من 50 إلى 100 ثم إلى 150 لتصل إلى 200 ألف مستفيد سنويا في زمن قياسي، واستطاع البرنامج بفعل تضافر جهود كل الأطراف الرسمية والجمعوية إعطاء نكهة جديدة للمخيمات، وتمكنت كذلك من الضغط على (الوزارة) من أجل تحسين الميزانيات، والتنصيص عليها في القانون المالي، كاعتمادات خاصة لبرنامج "عطلة للجميع"، وفتح حوار منتظم سنويا مع الولاة والعمال والمنتخبين، بغية إدخال الإصلاحات وتوفير التجهيزات اللازمة. هذه كلها وقائع حافظت على البرنامج وأنعشت الآمال في السير قدما، وإذا ما احترمت كل الالتزامات والنوايا المصرح بها فلن يكون هناك أي إقصاء أو تراجع أو حرمان، لأن التخييم أصبح حاجة تعويضية متجذرة في المجتمع، ولن يستطيع أحد انتزاعها أو وضعها في زاوية معزولة.

[ ... ]

خنيفرة : القمع لا يرهبنا والموت لا يفنينا وقافلة النضال تشق طريقها بإصرار


بقلم: عبد الرحمان تقي الدين تاجي (رفيق الدرب)

ظلت القافلة الوطنية ، تشق عباب الطريق منذ انطلاقتها عند الساعة السابعة والنصف صباحاً ، من أمام المقر المركزي للاتحاد المغربي للشغل بالرباط ، حيث كان مقرراً سلفاً ، ان يلتقي مختلف المشاركين بالرحلة التضامنية ، المنظمة بمبادرة من الجمعية المغربية لحقوق الانسان تضامنا مع مدير جريدة المشعل ورئيس فرعها بمدينة خنيفرة ، و التي اختاروا شعاراً لها " كل التضامن مع ضحايا الطغيان بمنطقة خنيفرة: حتى لا يتحول الطاغية إلى ضحية وفاضح الظلم إلى مجرم". و بعد قرابة الاربع ساعات برّا ، سكت محرك الحافلة بمدينة بوفكران الصغيرة ، التي لا تبعد غير كيلومترات زهيدة عن مدينة الحاجب ، مفسحاً المجال للمشاركين من ممثلي الهيئات الوطنية ومختلف مناضلي ومناضلات النسيج الجمعوي والحقوقي ، لأخد قسط من الراحة ، لاسيما وان موعد القافلة بعز الصيف تزامن مع يوم قيظ شديد ، كان يزداد حدةً وبطشاً ، كلما توغلت القافلة أكثر بجبال الاطلس التليدة والعتيدة.

خنيفرة : عروسٌ في ثوب الحداد

"حيث أشجار البلوط .. والشتاء الحزين .. والنسيان الذي يمارسه النظام والبشر .. حيث الموت والخوف .. وجبال الأطلس السامقة ؛ كل ذاك الخليط المفزع ..يُحيلنا على مدينة ًفي قلب الجبل ، وعلى هامش وطن ، تُدعى خنيفرة "

كلمات عميقة لقديس أطلسي ، ظل صداها يتردد عالياً بين جنباتها ، حتى أيقظ أهل هذا الوطن ، الذين هبوا هبة رجلٌ واحد ، فاتحين ، منادين بالعدل ورفع الظلم عن البشرية ، انها عصا سحرية مست (( عروس الاطلس)) ليتحول فجأة خمولها الى حركة وحياة دبتا فيها ، دبيب روح الاله بجسد الجنين .

كيلومترات قليلة قبل وصول القافلة التضامنية الى خنيفرة ، وطيلة مسير الحافلة بمنطقة " أيت مليد " ، أخد المناضل الحقوقي " ولحمان " والعارف بتاريخ المنطقة يشرح للمشاركين في رحلة نوستالجية عبر التاريخ ، كيف حاز الملك الحسن الثاني سبعون كيلومترا من اراضي هاته المنطقة ، ووضع لها سياجات شائكة منعت قاطنيها من استغلالها في رعي مواشيهم بل وحتى الاقتراب منها ، وكيف ظلت الابقار الملكية وحدها ولعقود طويلة ، صاحبة السيادة المطلقة بين دواب ومواشي الاطلس المتوسط .

لم يكن يوقف الجرد التاريخي للاستاذ " ولحمان " غير شعارات المشاركين التي كانت تعلوا كلما زاد ذهولهم من هول ما كانوا يسمعون ، و ايضا شهادات بعض ممن اكتووا بجمر قروسطية الاطلس بزمن ليس ببعيد ، كحال ما وقع بأحداث1972 و1973 حيث قامت "ثورة ضد العنف والاضطهاد والفساد" ، جاءت كرد فعل لمشاعر اليأس والاحباط التي كان يشعر بها المواطنون الذين فقدوا الامل بعد الاستقلال في حصول أي تغيير.- يحكي ولحمان -، وكيف أن "الثوار" اضطروا عقب هذه الاحداث الى الصعود الى الجبال حيث بقوا هناك بدون أكل ولا شراب، مشيرا الى أنه تم خلال هذه الفترة القاء القبض على المواطنين بالمنطقة بمن فيهم الشيوخ والنساء والاطفال ، الذين تعرضوا خلال استنطاقهم لمختلف أنواع التعذيب لارغامهم على الإدلاء بمعلومات عن الأماكن التي كان يختبىء فيها "الثوار".

ادخلوا خنيفرة ان شاء الله آمنين

أمتار قليلة اصبحت تفصل القافلة عن معانقة العروس المتشحة بالسواد ، كان مدخل خنيفرة يبدو اشبه بفوهة بركان متأهب للانفجار بأية لحظة ، وظل مواطنو هاته المدينة الذين لوحظ تفاعلهم مع القافلة، وهي تفتض صمت المكان بمنبهات السيارات ، يلوحون لها بشارات النصر طيلة مسيرها ، وابتسامات حزينة تعلو محياهم . وقد بدى الشارع الرئيسي للمدينة اقرب ما يكون لشوارع كركوك العراقية ، بعد قصفها من قبل قوات التحالف لغاشم .

عند تمام الساعة الثانية عشر والنصف زولاً ، تحط القافلة رحالها أخيرا بقلب المدينة حيث كان في انتظارها عددٌ من مناضلي ومناضلات المنطقة ، الذين تجمهروا حاملين لافتات الترحيب ، التي اختلطت بشكل غريب بلافتات تحمل شعارات الغضب والتنديد ، في مشهد أشبه بفرح صغير بصيغة الحزن .
و قد هتف الجميع بصوت واحد " الكرامة والحرية ، لا مخزن لا رعية " ، و " تحية خالدة ، لخنيفرة الصامدة " و غيرهما من الشعارت الكثيرة التي علت بها حناجر المحتجينن ، الذين تقدمهم مدير جريدة المشعل ادريس شحتان ، الى جانب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الانسان خديجة الرياضي ، ونائبها عبدالحميد أمين ، وعضو المكتب المركزي سميرة كناني و آخرون.

كلمات الوفود المشاركة

ثمانية عشر هيئة تناولت الكلمة تباعاً ، من بينها جميعات حقوقية ، وبعض ممثلي تنظيمات اليسار الجذري ، و كدا مديرو بعض الجرائد الكترونية (جريدة المناضل-ة) ، و ممثل عن اصحاب رسالة الى التاريخ ، جمعية المعطلين ، المنتدى المغربي للحقيقة والانصاف ، و تجمع المدونين المغاربة ، ..وغيرهم من الهيئات الوطنية والتنظيمات الاخرى التي اجمعت جميعها على ادانة التعسفات التي تتعرض لها المنطقة ، كما عبروا عن تضامنهم مع مدير جريدة المشعل ورئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان ، ونددوا بالبطش الممارس ضد ساكنة المنطقة من طرف مجموعة من العائلات المتنفذة بالمدينة والتي تعتبر نفسها فوق القانون.

شهادات مؤثرة لضحايا عائلة امحزون ، و " غنيمة" إمرأةٌ أبكت القلوب قبل العيون

- محمد ، قروي امازيغي : سلبوا مني سبعا وعشرون نعجةً وخروف ، اللهم إن هذا منكر

- عبد الكبير غنجة من قرية الهري متابع من طرف محمد ولد أمهرو عضو جمعية الدفاع عن عائلة امحزون : المتابعة في حقي هي من طرف كائن اسطوري تم تجريده من كافة حقوق المواطنة.

- ايت الحسن أوسعيد : سلبو اراضينا طيلة 46 سنة ، يئسنا من الحكومات المتعاقبة..والقضاة الذين يتابعون الملف يصمون آذانهم عن مطالبنا.

- حليمة غنيمة : هجرت خنيفرة هرباً من بطش عائلة امحزون ، بعدما عذبوني

المحامية لطيفة الصابري : حفصة امحزون اعتدت علي ، و الندبة التي بوجهي ستبقى علامة شاهدة على ظلم وطغيان هاته العائلة..

محمد، امازيغي من عمق الاطلس: جلس بالمنصة الشرفية بكل ثقة وعنفوان ، شيخ سبعيني رسمت التجاعيد على وجهه حكاية شقاء وقسوة زمن ، سرد تفاصيل معاناته بلغته الامازيغية ، وابى بذلك الا ان يؤكد مدى تجذره وارتباطه الوثيق بمسقط راسه ومهد اجداده ، لم يكن يأبه محمد لكل تلك الكائنات السياسية التي اكتظت بها قاعة احدى المؤسسات العمومية بخنيفرة ، بقدر ما كان همه الوحيد سرد معاناته ، علّهُ يجد عزاءً بين كل تلك الاعناق التي اشرأبت لسماع قصته ، وظل بين كل فينة واخرى يردد سلبوا مني سبعا وعشرين نعجة وخروفاً..اللهم إن هذا منكر

عبد الكبير غنجة شاب بعشرينيات عمره: كتلة من المشاعر المتوقدة ، تقدم للادلاء بشهادته و حماسة الشباب تعلو محياه ، فكانت اولى كلماته عباراتٌ ترحيبية لم تخلُ من سخرية و سخط " تحية للرفاق والرفيقات الذين تحملو عناء السفر والحفر التي تؤتث طرق هاته الايالة ، رغم انهم أصمّو أذاننا بالتنمية ، فإننا نعيش في كنف تنمية الفقر وتنمية الجهل وتنمية الاستبداد و تنمية الملاحقات والمتابعات ، واستئصال الالسنة وتكسير الاضلع، تحية للجمعية المغربية لحقوق الانسان التي اسقطت عروش هاته الآلهات المصنوعة من جلودنا ومن ثرواتنا " ، هكدا كان الترحيب على طريقة عبدالكبير ، قبل أن يبدا في سرد تفاصيل معاناته مع المتابعة القضائية التي رفعها ضده محمد ولد أمهرو عضو جمعية الدفاع عن عائلة أمحزون ، على إثر مقال كتبه سنة 2006 ، عنونه بـ " يا شرفاء هذه الارض اتحدوا " عبّر فيه عن موقفه من الانتخابات ، وكتب أن لا جدوى منها وانها تؤدي فقط الى شرعنة دولة الاستبداد ، ثم اضاف ان ايام الاستعمار كانت الافضل مقارنة بالوضع الحالي ، فكان أن رفع المدعو أمهرو دعوى قضائية ضده فيما اعتبره قدفا وسبا بحقه ، لاسيما وان احد افراد هاته العائلة كان قد طلب في وقت سابق من غنجة الترشح للانتخابات دعما للمرشحة حليمة عسالي ، وهو الامر الذي رفضه تماما فتمت متابعته بتهم السب والقدف ، التحريض على العنصرية ، والاشادة بالاستعمار ، وحدد 24 شهر 9 موعدا لاولى الجلسات. يقول عبد الكبير مصرحا ً ومنهياً لشهادته : " أمهرو كائن اسطوري من مواليد 1919 ، هويته بالجريدة الرسمية عدد 2091 بتاريخ 22 غشت 1958 حيث ورد اسمه ضمن الافراد الذين اتبثت لجنة البحث الملكية عدم اهليتهم الوطنية وحكمت عليهم بالتجريد من كافة حقوق المواطنة لمدة 15 سنة ،ومصادرة جميع املاكهم التي اكتسبوها بالاستيلاء على ثروات المقاومين الذين تحصنوا بالجبال(..)

أيت الحسن اوسعيد: يحكي السيد الحسن أنه حين وقع هجوم بمدافع فرنسا على سكان تمدارت و تم هدم بيوتهم سنة 1930، انسحب لازاغار الى تنزاورت ، وبعد عودة سيدي محمد بن يوسف من المنفى ، اتصل بعائلة امحزون ولامهم على دعمهم لحكومة بن عرفة ، واخبرهم ان هناك متابعات من طرف القبائل التي سلبوا منها اراضيها باسم المستعمر ، وطلب منهم الالتزام بارجاعها الى اصحابها ، التزم امحزون حمو حسن ممثل المخزن ، والتزم حماد اولحاج امحزون ممثل ايت موسى -يروي ايت الحسن اوسعيد - وفي عام 63 قام صاحب الجلالة الحسن الثاني بايفاد لجنة ملكية ، التئمت بايفران لترتيب حضورها الى دار العيدي بخنيفرة بغرض الاشراف على اتفاق التصالح واعادة كل شخص الى ارضه ، لكن تم تأجيل ذلك مدة سنتين -يُكمل ايت الحسن -، وبقينا ننتظر الى غاية سنة 65 ، لتعود اللجنة الملكية من جديد ، وبدا تنفيذ الاحكام ذات جمعة في اولاد امهروق ، على اساس ان تخصص الجمعة التي بعدها لاولاد الباشا ، غير ان مولاي احمد هرب وتخلف عن الحضور و بقي مولاي هاشم يراوغ الملف مدة سنين الى يومنا هدا ، والان السكان الذين كانو يرافقون امحزون وزعوا بلادنا "ايت موسى" التي كانت في ملكية قبيلة تضم 700 نسمة ، و اصبح اليوم ومنذ 46 سنة ، يستغلها ويستفيد من خيراتها عشرون شخص فقط ، ولا زلت متشبثا بحقي منذ 20 سنة ، -يُضيف اوسعيد بمرارة - وسأستمر في ذلك رغم يأسي من الحكومات المتعاقبة بسبب لامبالاتها ، والقضاة المكلفون بالنظر في الملف ماديون ، ولذلك يصمون اذانهم عن مطالبنا ، والآن بعد 18 جلسة امام المحكمة الابتدائية ، لا زال القضاء لم يحسم في قضيتي رغم ان هناك قرارا ملكيا بالصلح ولا مجال للاجتهاد القضائي ، الذي يابى الا ان يرفض اعتبار وثيقة الصلح الملكية كوثيقة يُعتد بها .

حليمة غنيمة: لم تتمالك حليمة نفسها وهي تروي تفاصيل ما تعرضت اليه من تعذيب وتنكيل على يد حفصة امحزون ، وزوجها السرويتي ، فأجهشت ببكاء حار ، حرارة ذاك الماء المغلي الذي صبوه على جسدها قبل اثنا عشرة سنة مضت ، هي نفس المدة التي قضتها في منفاها القسري بمدينة اكادير ، بعيدة عن مدينتها الام و هرباً من بطش عائلة امحزون ، الذين عذبوها بصب الماء الساخن عليها وادخال الزجاج بدبرها وجهازها التناسلي ،- تروي غنيمة بحسرة وألم ، وأنينُ بكاء- ، أنينٌ لم يوقفه غير تعالي صيحات الحاضرين الذين ادمعت عيونهم ، وصاحت حناجرهم "مجرمون..مجرمون..عائلة امحزون ".

المناضل امدياز الحاج تاثر ايضا لقصة غنيمة ، فأهداها قصيدة شعرية من وحي اللحظة ، تضامنا مع قضيتها :

" غنيمة

غنيمة تحية لك

ولكل من أنطقك

وفك عقدة لسانك وأخرجك

من صمتك

(..)

قولي بصريح العبارة

عقدا من الزمان

لم أقوى على الكلام

لقد فقدت أنوثتي

لقد شوهوا جهازي التناسلي

بل لقد احرقوا فرجي

وأعدموا رحمي

وطردت من عالم النساء

وسئمت الحياة

وهاجرت بلدتي

حتي لا يعرف الكل قصتي

(…) "

المحامية لطيفة الصابري: بدت المحامية الشابة ، التي تناولت الصحف الوطنية سيرتها فيما عُرف لاحقا بقضية اعتداء خالة الملك على محامية بهيئة مكناس ، - بدت - بمعنويات مرتفعة وهي تدلي بشهادتها والتي لم تكن غير نفس تلك التصريحات التي تناقلتها الصحف على لسانها بعد الاعتداء عليها من طرف حفصة امحزون وبناتها ، وقالت المحامية وهي تروي تفاصيل ما وقع " إن الندبة التي على وجهي ستظل علامة شاهدة على ظلم وطغيان عائلة امحزون ".

خنيفرة هبة أم الربيع

وكما أن مصر تتميز بالنيل ، والعراق بدجلة ، وسوريا بنهر العاصي..فإن المغرب..وان خنيفرة بالذات ، يتميزان بنهر ام الربيع ، الدي ينبع من اعالي جبال الاطلس ، ويسير نحو ازمور حيث مصبه بالمحيط الاطلسي ، متحدياً كل المسالك الوعرة ، وهازئا بالسدود التي اقيمت عليه ، والتي بلغ عددها 11 سداً تم تشييدها في اطار سياسة السدود التي اتبعها الراحل الحسن الثاني - رحمه الله - ، ولعل هذا هو السر الذي جعل منظموا القافلة الوطنية يعمدون عبور قنطرة توجد وسط المدينة و من تحتها ام الربيع ينساب مزهوا بشموخ ، قبل ان يصلو الى الساحة التي كان مقرراً ان تحتضن الوقفة الاحتجاجية الختامية التي تميزت برفع اعلام تمازغا من طرف بعض الحركات الامازيغية المشاركة ، و تخللتها مجموعة من الشعارات المناهضة للظلم والحكرة ولعائلة امحزون ، وانتهت بتلاوة خديجة رياضي لبيان الجمعية المغربية لحقوق الانسان.

تغطية ، متابعة و تحرير / تقي الدين تاجي من خنيفرة

[ ... ]

أطفال لا يخيمون

في أول بادرة من نوعها اتفق أعضاء "تجمع المدونين المغاربة " على اطلاق أول حملة إعلامية تدوينية موحدة، وقد تم اختيار التطرق لموضوع" أطفال لا يخيمون"، ينشر كل عضو مساهمته في مدونته، ويشار لها في المدونة المشتركة للتجمع، ويتم الترويج لذلك على نطاق واسع.

هل هناك فعلا أطفال لا يخيمون؟…

أغلب الظن أن وزيرة الشباب والرياضة لم تطرح هذا السؤال على نفسها، وإن كانت طرحته فعلا فهي لم تكلف نفسها عناء كتابته على أجندة وزارتها التي من المفترض أن تكون مستمدة من برنامج حكومي حقيقي.

وأغلب الظن أن حكومة عباس ولا الحكومات التي سبقتها لم تنتبه إلى هذا السؤال، حتى محمد الكحص كاتب الدولة في الشباب السابق حين طرح برنامجه "العطلة للجميع" وطبل وهلل له تهليلا لم ينجح في فك طلاسم حاجة الطفل المغربي إلى التخييم.

صحيح أن المغرب وقع على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تنص في مادتها الواحدة والثلاثين على حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية وفي الفنون، كما تنص على حق الطفل في المشاركة الكاملة في الحياة الثقافية والفنية وتوفير فرص ملائمة ومتساوية للنشاط الثقافي والفني والاستجمامي وأنشطة أوقات الفراغ؛. صحيح أن المغرب صادق على هذه الاتفاقية، لكن مواد كثيرة منها لازالت لم تنفض عنها الغبار بعد.

الغريب في القضية أن نسبة الأطفال بالمغرب تقارب الثلاثين بالمائة حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى، ومع ذلك لا يتعدى عدد المستفيدين من النشاط التخييمي مائتي ألف طفل في السنة، تتوزع على مائة وستين مركزا للتخييم.

أجل، هناك حقا أطفال لا يخيمون…

تركت حكومة عباس جانبا مادام وزيرها الأول منهمك بجد خلال هذه الأيام الساخنة في إيجاد تحالف جديد يضمن له الأغلبية البرلمانية، وقررت أن أخرج إلى بعض الدواوير (المداشر) كي أتلمس صورة الطفل هناك جيدا، وألامس هواجسه الكبيرة وأحلامه الصغيرة.

دخلت أول دوار يسمى "التريعات"، المدرسة على الجانب الأول من الطريق التي تمر بالقرب منه، وعلى الجانب الثاني تلوح مساكن الطين والقصدير الموزعة بشكل عشوائي. توغلت قليلا باتجاه المسجد حيث يلعب بجواره بضعة أطفال، اقتربت منهم وحييتهم واحدا واحدا، ثيابهم بالية ووسخة، وجوهم شاحبة، وعيونهم تحكي عن الحرمان والفاقة وضنك العيش. جلسنا تحت ظل شجرة يبدو أنها الوحيدة هناك بالمدشر كي نتجاذب أطراف الحديث في هدوء، من خلال الأسئلة التي طرحتها عليهم اكتشفت أن لا أحد منهم سبق له أن استفاد من التخييم، ولا أحد منهم سبق له أن رأت عيناه البحر ولامست يداه ماءه، ولا أحد منهم وطأت قدماه الجبل، كما اكتشفت رغبتهم الجامحة في خوض غمار التجربة ولو مرة واحدة قبل أن يأكل تعب الحقول طفولتهم المغتصبة.

صحيح أنهم صادفوا بعض الصور بين ثنايا كتب المقرر الدراسي وحدثهم المعلم عن البحر والجبل، لكن كل واحد منهم رسم لنفسه بحرا من الهواجس وجبالا من الأحلام الزائفة. كانت نفس الأجوبة عن أسئلتي، في الدواوير الأخرى التي زرتها وقابلت بعضا من أطفالها.

وأنا عائد أدراجي، تذكرت نص الموضوع الذي كان يقترحه علينا الأساتذة خلال بداية الموسم الدراسي: "سافرت خلال العطلة الصيفية إلى مدينة شاطئية، صف ما شاهدت"، وتذكرت أني كنت أضطر للكذب مثل معظم تلامذة فصلي وأنا أروي لأستاذنا الجليل حكايتي الزائفة، وتذكرت أن الأستاذ عاد إلينا ذات يوم بأوراق الإنشاء، وقبل أن يوزعها علينا نادى على أحد التلاميذ إلى السبورة، فلما وقف إلى جانبه أعطاه ورقته وطلب منه أن يقرأها بصوت عال، إلى أن بلغ الفقرة التي انفجر على إثرها الأستاذ من الضحك ومعه نحن طبعا على الرغم من أن معظمنا لم يعرف دافع تلك القهقهات التي ضج بها الفصل، فجأة توقف أستاذنا الجليل عن الضحك فتوقفنا نحن بعده مباشرة، التفت إلى التلميذ المسكين الواقف بقربه وسأله: "هل للقطار عجلات مطاطية حتى تنفجر؟"، ثم انطلقت القهقهات من جديد قبل أن تتوقف ويعيد الأستاذ قراءة الفقرة اللعينة بصوته الجهوري: "و نحن نقترب من مدينة طنجة توقف القطار بسبب انفجار عجلاته وعدت إلى منزلنا…"، وحين انتهى أمر أن يساهم كل منا بقطعة نقدية لفائدة التلميذ المسكين حتى يتسنى له السفر إلى مدينة مشرع بلقصيري القريبة جدا من مدينتنا ويكتشف القطار وعجلاته الفولاذية.

فهل تتفضل وزيرة الشباب والرياضة بأن تقود معنا حملة " أطفال لا يخيمون"؟ وهل تجرأ حكومة عباس، بعد أن تنتهي من هاجس الأغلبية البرلمانية، أن تعترف بأن هناك أغلبية أخرى جديرة بالعناية، هي أغلبية أطفال مغاربة لا يخيمون؟

[ ... ]

السياسيون المغاربة يدخلون عالم المدونات

سياسيون فرقتهم السياسة وتجاذباتها وجمعهم التدوين

يفتقرون إلى التأثير والقدرة على التفاعل مع قراء مدوناتهم
بقلم: عادل نجدي (صحيفة المساء المغربية – عدد: 784 – الاثنين 30 / 03 / 2009)
مثلت المدونات، بالنسبة إلى آلاف المغاربة غير المنتمين إلى أحزاب سياسية، مجالا رحبا للتعبير والنبش في المحظور وانتقاد الأوضاع السياسية والدفاع عن مواقف سياسية يؤمنون بها. بيد أن الأمر لم يعد قاصرا عليهم، بل تعداه إلى مدونين خبروا السياسة واحترفوها ويمتلكون فضاءات للتعبير داخل أحزابهم وعلى صفحات جرائدهم.
إدريس لشكر، محمد يتيم، عبد القادر العلمي، رشيد لمدور، فتح الله ولعلو… سياسيون فرقتهم السياسة وتجاذباتها، وجمعهم عالم التدوين بعد أن أيقنوا بجدواه ووجدوا فيه وسيلة لنشر آرائهم والتواصل مع متصفحي الأنترنيت وتحقيق مآرب أخرى.
يقول عبد القادر العلمي، عضو حزب الاستقلال ورئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان: «المدونة تتيح لي التواصل مع شرائح أوسع من القراء، خاصة من أبناء الجيل الجديد الذي يبحث عن المعرفة من خلال الأنترنيت أكثر مما يُقبل على قراءة الصحف، ولذلك فإن الكثير من مقالاتي أعدت نشرها في المدونة لكي يطلع عليها قراء آخرون، وذلك لإيماني بأن الكتابة بقدر ما هي تحتاج إلى الحرية، فإنها تحتاج إلى الانتشار».
ويتابع صاحب مدونة «أوراق» موضحا دوافع ولوجه عالم التدوين «دخولي عالم التدوين كان مع بداية ظهور المدونات باللغة العربية. وأردت من خلال إنشاء مدونتي، أساسا، المساهمة في توسيع انتشار الكتابة بلغة الضاد على الشبكة العنكبوتية. وفي ذات الوقت نشر مقالات وتعاليق أتوخى من خلالها الدفاع عن مجموعة من القيم والأفكار، ومناقشة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا لا يعني أن صحافة الحزب الذي أنتمي إليه ضاقت عن كتاباتي، بل على العكس من ذلك، فهي مفتوحة أمامي باستمرار وتنشر مقالاتي منذ عقود من الزمن إلى اليوم».
إدريس الهبري، رئيس تجمع المدونين المغاربة، يعتبر، في تصريحات لـ«المساء»، ولوج سياسيين مغاربة إلى عالم التدوين، إشارة واضحة لاقتناعهم بأهمية المدونات وقدرتها الكبيرة على منحهم فرصة التواصل مع شريحة واسعة جدا من المغاربة الذين باتوا ينشطون، وبشكل لافت، داخل هذا العالم الافتراضي. غير أن ولوجهم هذا يعد، حسب الهبري، مغامرة غير محسوبة العواقب مادام هذا العالم يوفر كل إمكانات المواجهة الشرسة والحادة من لدن الذين يتخذون مسافة ما من العمل السياسي الراهن بالمغرب، ويحتفظون لأنفسهم بملاحظات ذات قيمة حوله وحول اللاعبين الأساسيين داخل معتركه.
ويضيف الهبري قائلا: «ولوج سياسيينا عالم المدونات هو إقرار منهم بحركية التدوين المغربي، وقدرته على صناعة رأي عام يختلف كثيرا عن الذي تصنعه وسائل الإعلام التقليدية، لاتساع هامش الحرية وقدرة المدونين المغاربة على ملامسة قضايا وأسئلة أكثر جرأة. هذا فضلا عن كون ولوجهم إلى هذا العالم، الجديد بالنسبة إليهم، يندرج في إطار البحث عن آليات اشتغال جديدة للآلة الحزبية المغربية في أفق الاستحقاق الانتخابي القادم».
تتعدد الأسماء التي اختارها السياسيون المغاربة لمدوناتهم، وكل واحد منهم يحاول جاهدا اختيار اسم مميز يراه كفيلا بجذب الكثير من الزوار، سواء كانوا من مناضلي حزبه أو من باقي متصفحي الشبكة العنكبوتية: «أوراق»، «النائب يتيم»، «مدونة إدريس لشكر»،
تتعدد الأسماء التي اختارها السياسيون المغاربة لمدوناتهم، وكل واحد منهم يحاول جاهدا اختيار اسم مميز يراه كفيلا بجذب الكثير من الزوار، سواء كانوا من مناضلي حزبه أو من باقي متصفحي الشبكة العنكبوتية: «أوراق»، «النائب يتيم»، «مدونة إدريس لشكر»،
وإن كانت هذه المدونات، بغض النظر عما إن كان لسانها عربيا أم أعجميا، توفر لزائريها، بجانب الخبر والصورة، مقالات وتعليقات سياسية وحوارات ودراسات قانونية، فضلا عن مستجدات الحزب، مما يجعلها أداة للتواصل بامتياز، فإن السؤال الذي يثار: هل هناك أي تأثير لها على الحياة والحراك السياسيين؟

التأثير المحدود
يرى العلمي أن تأثير مدونات السياسيين المغاربة على الحياة السياسية عموما مازال محدودا، ولو أن بعض الكتابات التدوينية التي تتناول قضايا سياسية أصبحت تثير نقاشات على أعمدة الصحف وفي بعض المنتديات. ويتابع في تصريحاته لـ»المساء»: «تجربة التدوين في حد ذاتها مازالت فتية، وهناك تباين كبير في مستويات المدونات التي سمحت لي الظروف بالاطلاع على محتوياتها، ولا شك أنها في حاجة إلى المزيد من التطور لتحظى باهتمام أكبر من طرف المبحرين في عالم الأنترنيت، وأظن أن هناك آفاقا واعدة في هذا الاتجاه».
وبالنسبة إلى رئيس تجمع المدونين المغاربة، فإن السؤال الجدير بالطرح هو: ما مدى الحراك السياسي بالمغرب حتى يكون لمدونات السياسيين المغاربة تأثير عليه؟ فالحراك السياسي على مستوى الواقع، يقول الهبري، يختلف كليا عن نظيره الحاصل على المستوى الافتراضي، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالمدونين المغاربة القادمين من كل ألوان الطيف السياسي المغربي، والذين يقودون نقاشا واسعا حول راهن المغرب وبكل تجلياته، لأن عالم التدوين المغربي أضحى مسرحا لمواجهة حادة بين مختلف المرجعيات والحساسيات السياسية. وفي خضم هذه المواجهة، تعلو على السطح أصوات مدونين مغاربة مخلصة لانتمائها الحزبي وتدافع عن وجهات نظرها بكل جرأة، وهذه ظاهرة صحية للتدوين المغربي تنم عن إيمان راسخ بالاختلاف.
غير أن الصورة ليست مشرقة، حسب الهبري، لأن الساحة التدوينية لا تخلو من أطماع أقلام تدوينية متطرفة وأصولية تسعى إلى إقصاء كل الأصوات التي تحلق خارج سربها الحاقد على الحداثة والديمقراطية والحرية والإبداع. ولحسن حظنا، نحن المدونين، أنها لا تمتلك القدرة على التأثير الفعلي وتفشل باستمرار في صد الضربات التي تتلقاها من هذا الفضاء التدويني الحداثي بامتياز.
وإذا كانت محاولة تقييم تجربة التدوين عند بعض السياسيين المغاربة لن تكون ذات قيمة أمام حداثة التجربة، فإن الملاحظات الأولية، يفيد الهبري، تؤشر على افتقار الساسة إلى القدرة الحقيقية على التفاعل بشكل إيجابي مع قراء مدوناتهم، خاصة وأن طبيعة التدوين تقوم على خاصية التعليقات التي تذيل بها المواد المنشورة بالمدونات، وهذا هو التحدي الكبير الذي ينتظرهم إذا ما ذهبوا في اتجاه الانفتاح الحقيقي على آراء المعلقين الذين أضحوا رقما أساسيا ضمن عملية التدوين».
وفي نفس السياق، يقول محمد سعيد أحجيوج، أول مغربي يتفرغ للتدوين: «السؤال عن تأثير مدونات السياسيين المغاربة، يبدو سؤالا مبالغا فيه جدا. إذا كان سياسيونا يتهربون من المواجهة على صفحات الجرائد، فمن أين سيأتون بالجرأة للكتابة في المدونات والنزول إلى مستوى رجل الشارع في المحادثة والمناقشات؟!». وبالنسبة إلى أحجيوج «لا يكفي أن ينقل أي سياسي مقالاته المنشورة في الصحف إلى المدونة لنقول إنه أصبح مدونا! التدوين هو وسيلة حميمية للتواصل بين المدون وقارئه، فمع المدونات لا يبقى هذا الأخير سجين صفة «القارئ الافتراضي»، بل هو قارئ متفاعل ودائم التواصل مع المدون. وهذا يتطلب من المدون أسلوبا معينا في الكتابة والتواصل واحتراما أكبر للقارئ». ويضيف: «أتمنى أن أقرأ مدونات لسياسيين مغاربة مثل: مصطفى الرميد ومحمد الساسي وأرسلان… إضافة إلى الوزراء وأصحاب المسؤوليات. مدونات حقيقية وليس مجرد صفحات إلكترونية تنسخ ما ينشر في الصحف من مقالات وحوارات. آنذاك، سيمكننا الحديث عن تأثير تدوين السياسيين على الحراك السياسي».
[ ... ]

تلك الأيادي الرفيقة الآثمة

"شاهد رديء للحياة من يغفل اليد التي تقتل برفق"، هكذا اختار نيتشه أن يدلنا على قتل من نوع آخر وذو طبيعة مغايرة تماما للقتل بحدود السيوف وفوهات البنادق وبعيد جدا عن دائرة نشاطاته الدموية؛ فيتبدى لنا خطر الأيادي الرفيقة التي تمارس القتل اليومي من دون أن تبلغ درجة انتباهنا إليها ذروتها.

ولأننا لا ننتبه في كثير من الأحيان إلى القتلة بيننا وهم يطلقون عنان أياديهم لقتل العقل والإنسان فينا برفق وهدوء تامين، سنظل نشيع جثامين ذواتنا كل يوم إلى مقبرة العجز عن قطع دابر كل الأيادي الآثمة التي تستهدف وجودنا الإنساني في عمقه.

هكذا إذن، ظلت المرأة العربية على رأس قائمة ضحايا هذه الأيادي القذرة، لأنها اكتشفت قدرة هذا الإنسان المؤنث غصبا على هدم الثابت وبناء نظام متحول باستمرار، ولأن التحول يرعب عرابي الثابت وسدنته ويمنحهم الشعور بالخطر الداهم والخوف من مغبة الموت القادم من رحم العقل، اجتهدوا في رسم صورة نمطية مشوهة وممسوخة للمرأة قرنتها بالشر والحقد والكيد والفتنة؛ ولا غرابة إذا كانت هذه الرؤية العقيمة قد شيدها القتلة الجدد على أساس نظري يرفض أن يرسم للمرأة صورة مغايرة بعيدة عن برواز الجسد والجنس. ولعل ما يفسر وجود هذا التصور الماسخ هو اتكاءهم على نص رافض لأي نقاش أو جدل عقلي، النص الذي قدم لنا المرأة على أنها كائن إنساني من الدرجة الثانية، ومنح للرجل بالمقابل كل مبررات الوجود بالقوة والعنف رغم أنف المشترك الإنساني وقيمة العدالة المؤسسة للوجود الحقيقي المتوازن، وفي طليعة هذه المبررات الخادعة يتجلى مبدأ القوامة الذي يعطي الرجل حق تقرير مصير الإنسانية وتوجيهها باعتباره المركز الذي تدور حوله كل الهوامش الممنوعة عنوة من أحقية المساهمة في التقرير والفعل والتنفيذ.

ذات يوم، وقف توماس توركمادا (1420 – 1498م)، القسيس الكاثوليكي والمفتش العام لمحاكم التفتيش بإسبانيا لمدة خمسة عشر عاما، لتنفيذ حكم الإعدام في حق أحد المنشقين عن الكنيسة الكاثوليكية حرقا، فقال قبل الأمر بالتنفيذ:"نحن نحرقك رحمة بك، حتى ننقذك من النار الأبدية في الآخرة"؛ وجاءت الأنوار فخلصت أوربا بأسرها من سطوة توركمادا وربق الكنيسة، فتقدمت أوربا مندفعة كالسهم مخترقة النظام الدائري المركزي، لأنها أدركت وهي في ذروة أنوارها أن عمليات التقدم والانحطاط في أي حضارة تتم من داخلها، بعيدا عن أي اعتقاد خاطئ بتدخل خارجي غاشم. لذلك لم نلحق بها رغم كل المحاولات لأن الحضارة الدائرية المركزية لا تتقدم أبدا حسب اعتقاد شبنجلر، خصوصا إذا كانت نفس الحضارة متمركزة حول نص منزه عن كل مساءلة أو جدل، وما هو كائن أمامنا أو خلفنا محض أمور صغيرة مقارنة بما هو داخلنا على حد تعبير أوليفر ويندل هولمز.

ترى سيمون دي بوفوار أن "الرجل يعرف على أنه إنسان. المرأة تعرف على أنها أنثى. وحينما تتصرف المرأة كإنسان، يقال لها أنها تقلد الرجل"، وهنا يكمن العطب الفكري الذي يشل حركة العقل للتقدم إلى الأمام حتى يبلغ مرحلة الاعتراف بأحقية المرأة في الأنسنة، وحين تطالب أصوات قلة بأنسنتها فهي لا تحاكي حضارة الغرب بالمطلق، لكنها تعلق آمالا عريضة على قدرة المرأة الخارقة على شطب الثابت ومعانقة المتحول، وحتى عندما تتهم هذه الأصوات بمحاكاة الغرب فلا يبدو أن التهمة كافية لكي نقودها إلى المقصلة، لأن القتلة ينظرون للغرب بعيونهم التي لا ترى في حضارته سوى الأفخاذ العارية، لأنهم بين الأفخاذ يركزن عيونهم، فيكون العيب في عيونهم وليس في الأفخاذ كما لخص سيد القمني هذا الرأي في إحدى مقولاته العميقة والنافذة إلى عمق سؤال الغرب والشرق.

وكل عام والمرأة بألف خير…

[ ... ]

زمن القهر

“هنا المدينة العظمي وهل لك أن تظفر منها بشيء؟ إن عليك أن تفقد فيها الكثير.. هنا جحيم الأفكار، كل فكرة فريدة، هنا تصهر الأفكار السامية، حتى تصبح مزيجا مائعا، هنا تتهرأ كل عاطفة شريفة، ولا يسمح إلا للعواطف الجافة بأن تعلن نفسها، بخشيش اصطدامها، ألا بلغت أنفك رائحة المجازر، حيث تنحر الأفكار، ومطاعم السوقة حيث تباع بأبخس الأثمان؟ أفما ترى أبخرة العقول المضحاة تتصاعد منتشرة كالدخان فوق المدينة؟ ألا تلوح لك الأرواح وهي معلقة معروضة، كأنها خرق قذرة بالية؟ إذا هي تنقلب صحفا تنشر بين الناس؟ أي زرادشت: أستحلفك بكل ما فيك من قوة ونور وصلاح أن تتفل على هذه المدينة..لقد كرهت هذا المدينة العظمي أنا أيضا” ((نيتشه - هكذا تكلم زرادشت – 203))

كل يوم تسعى أفكار جديدة إلى غزو عقل الإنسان، كل يوم يتعرض نفس الإنسان إلى وابل من العقائد السياسية والفكرية والثقافية قد لا تشكل في جوهرها رؤية متماسكة، لكنها قد تأخذه إلى غياهب الأيديولوجيا وتمارس عليه القهر الفكري وتفرغه من محتواه الأصيل لتعبئه بمحتوى آخر هجين.

إن الانبهار الذي يصيب الإنسان ساعة تعرُّضِ عقله لتهديد خارجي هو بداية الانهيار الذي يلمُّ به ويقوده للإيمان بالأفكار الباهرة والمدهشة والمحيّرة، فيكون هذا الإيمان مرتبطا بالقهر غير نابع من جوهر الفكر الذي سُخِّر لصد كل الأفكار الساعية خلف إخضاع الإنسان وتركيعه وجعله تابعا منقادا وأسيرا للأيديولوجيا. ولكي يجابه الإنسان هذا القهر الذي يمارس عليه كل يوم وبعنف منقطع النظير، عليه أن يمارس الجدل أو المنطق الجديد، كما يذهب إلى ذلك هيجل، هذا المنطق الذي يتولى إنكار أية حقيقة مطلقة أو منطق ثابت ويستخدم الجدل لأجل تحويره وتبديله كلما ثبت خطأه أو تكشَّفت له حقائق جديدة.

والفكرة التي تحقق ذاتها بوسائط أخرى بعيدا عن العقل والمنطق لا يمكن أن تحقق ذاتها في الإنسان رغم ما قد يتبدى لنا من سحر نفاذها إليه وتمكنها منه وانفرادها بذاته المقهورة، لأن الإنسان المقهور المُستلب لا يمكن الركون إليه والاطمئنان لرؤاه والتكهُّن بحصول متغير ما داخل المحيط الذي يتحرك فيه بلا إرادة ذاتية محضة.

لقد رد هيجل تطور الحضارة إلى تطور الفكر، ورد تطور الفكر إلى حرية المجتمع، وكلما كان المجتمع حرًّا استطاع أن يحرر الفكر ويطوره، وكلما تمكن المتجمع من تطوير الفكر فإن حضارة هذا المجتمع تتطور بالضرورة. وفي كل مجتمع يكون الإنسان فاقدا للحرية خاضعا للاستبداد الفكري مسلِّما مهمة التفكير لغيره لا يمكن الرهان على تطور الفكر ومن تم تطور الحضارة.

عندما يعلن برتراند راسل أنَّ ((من الصحي بين الحين والآخر أن تضع علامات استفهام على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل))، فإنه يوجه دعوة شجاعة للإنسان كي يتولى مجابهة كل الأفكار المستقرة أو الوافدة في وإلى العقل في شكل ثوابت لا تحتمل الشك والجدل، بمعنى أن يتحول الإنسان إلى بؤرة للتساؤل الحر والنقد، على حد تعبير ريتشارد أوفستادر وهو يتحدث عن شخصية الأكاديمي الفذ.

إن العاطفة المؤسسة على خاصية الاكتساب والصبغة الانفعالية لا يمكنها أن تُحوِّل الإنسان إلى بؤرة للتساؤل الحر والنقد القويم، بل تؤهله لاستقبال الأفكار الغازية بمنتهى الاستسلام والضعف. من هنأ، تحديدا، يتسلل المقدس والثبت إلى هذا الإنسان ويتربع على عرش كحقيقة مطلقة على عرش الفكر ليتولى ممارسة القهر اليومي عليه ويخضعه لصالح ضمان بقائه واستقراره. لذلك نرى العقل، المتسلح بالسؤال الحر والرؤية الناقدة، يُواجَه كل يوم بمجابهة شرسة قد تصل حد المطالبة باقتياده إلى المقصلة وبإيعاز من العواطف الجياشة التي تحرك الإنسان المقهور وتُسخِّره للذود عن الأفكار القاهرة الثابتة والمقدسة.

[ ... ]

العرب والحقيقة الغائبة

ردا على بعض الآراء والانتقادات التي وجهت لي

على موقع هسبريس بعد نشر مقالي

((محاكمة الرجل الذي لم يحارب))

لا أعرف حتى الآن كيف انتهى كثيرون إلى القول بأني حاولت، من خلال مقالي السابق ((محاكمة الرجل الذي لم يحارب))، تقديم التبريرات للموقف المصري الرسمي من قضية معبر رفح خاصة والعدوان على الشعب الفلسطيني في غزة عامة، فالقارئ الرصين المتعقل سيخرج حتما مقتنعا بأني لم أدخر جهدا في تحديد مسؤولية النظام الرسمي المصري من وجهة نظري المتواضعة طبعا، حيث ركزت على ثلاثة أمور في غاية الأهمية، الأمر الأول هو أن القضية كلها اختزلت في معبر رفح والحال أن دور النظام المصري في الحرب كان أكبر من ذلك بكثير، والثاني هو كون قرار الإغلاق أو الفتح ليس بيد الرئيس حسني مبارك كونه سلم مطلق قراره السياسي للبيت الأبيض وحليفه الاستراتيجي تل أبيب، أما الأمر الثالث والذي استفز البعض فهو أننا جميعنا نتحمل عبء المسؤولية في هذه الحرب وغيرها من الحروب التي شنها العدو الصهيوني على الفلسطينيين وبعض الدول العربية الأخرى، من هنا يتضح أني كنت أكثر دقة ورصانة وأشد انتقادا للنظام المصري وكل الأنظمة العربية المتخاذلة بلا استثناء.

لقد تعود العرب دوما على البحث عن مشاجب لتعليق خطاياهم والتنصل منها، كما تعودوا على استهلاك أسطوانة المؤامرة في كل مرحلة عصيبة يغرقون في أتونها، بل منهم من يذهب إلى حد القول بوجود صراع حضاري، في حين أن نظرية صامويل هنتنجتون الخاطئة، من زاوية المنطلق، لم تأت لغير تعبيد الطريق أمام المخطط الأمريكي الكبير الذي يستهدف منطقة الشرق الأوسط برمتها، فالحضارة في مدلولها الحقيقي تعني التقدم العلمي والتقني والرقى الذي تبلغه المجتمعات والاختراع والتفكير والتنظيم والعمل على استغلال الطبيعة للوصول إلى مستوى أفضل للحياة، والحضارة هي نتاج جهود الأمم كلها، كما لا توجد شروط عرقية أو عقائدية لقيامها، والحضارات لا تتصادم أبدا بل تتلاقح وتتحاور فيما بينها كما انتهى إلى ذلك المفكر الفرنسي روجيه غارودي. هذا من زاوية المدلول الحقيقي لمفهوم الحضارة، أما من زاوية المنطلق الأيديولوجي لتصنيع مقولة صراع الحضارات من قبل مفكري المختبر النظري التابع لوزارة الدفاع الأمريكية مباشرة، فيمكن القول بأن نهاية الحرب الباردة وموت الخطر الأحمر كان لابد أن يدفع بالأمريكيين إلى البحث عن عدو جديد مفترض يمكنهم من الانتقال بعناية إلى المرحلة الجديدة المبنية على فكرة الاستحواذ على منابع الطاقة والثروات في العالم، فكان الخطر الأخضر (الإسلام) هو البديل غير الموضوعي، وقد تعمدوا إرسال إشارات ذكية خبيثة في آن إلى العالم تفيد بأن الإسلام يتهدد أمنه وسلامته، ساعدهم في ذلك الشيخ أسامة بن لادن حين أتقن تنفيذ أكذوبة تفجيرات الحادي عشر من شتنبر. أما الذين حاولوا إلباس ما يجري في المنطقة العربية لبوس الحرب الصليبية الجديدة فإما لضيق أفقهم المعرفي أو لأنهم تعمدوا تحويل الصراع من سياسي محض إلى ديني صرف، وهم بذلك يرتكبون خطأ فادحا لابد أن ينتهي بنا إلى نتائج كارثية، حيث يتم تعويم حقيقة الصراع وتشويهها إلى درجة تجعلنا نقصي البعدين السياسي والاقتصادي وإلى الأبد. والذين يلحون، من الإسلاميين، على إقحام البعد الديني في الصراع فإنما يحرصون على شطب مرحلة تحالفهم مع الأمريكيين في مواجهة الخطر السوفييتي وتواطئهم مع الأنظمة العربية للقضاء على القوى اليسارية التي كانت تقود آمال الشعوب وتطلعاتها نحو الانعتاق من ربق الأنظمة الشمولية الاستبدادية.

الآن، وبعد كل المحطات المريرة التي عاشها العرب في صراعهم الطويل مع العدو الصهيوني والامبريالية الأمريكية المتوحشة، بعد كل الحروب الخاسرة التي خاضها العرب، بعد مسلسل الاستسلام العربي للقدر الصهيوني، بعد كل المجازر الفادحة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني الأعزل، بعد الحروب الطاحنة التي شنتها آلة الحرب الصهيونية على لبنان، بعد الغزو الأمريكي للعراق، بعدما استبيحت أرضنا وعرضنا هنا وهناك، بعد الهزائم المتتالية والانكسارات المدوية، بعد كل هذا لا زلنا نلوك نفس الأسطوانة المشروخة.
هاهي غزة تنفض غبار الدمار عنها الآن، هاهي تضمد جرحها النازف، هاهي تحصي عدد شهدائها وجرحاها وبيوتها المدمرة، هاهي ترسم لنا فظاعة الصورة بلون الدم العربي المراق، هاهي تروي لنا حكاية أخرى من حكايات العجز العربي المطلق. إلا أن الواضح والجلي أننا طبََّعنا مع صورة الدم والقتل والدمار حتى أننا لم نعد نصلح لغير تِعداد الشهداء والجرحى كل يوم ونحن حول مائدة الطعام. وحين نسترخص البيانات المدبجة بالبلاغة والمسيرات المنقوشة بالشعارات الفارغة، ننعت بالخيانة والعمالة ونسقى من ألوان القذف والسب والشتم كؤوسا.

إن الشعور بالغثيان لحظة الوقوف أمام المرآة نابع من قبح صورتنا بكل تأكيد، ومن اعتقد منا أن التخلص من لعنة القبح المستحكمة فينا يمكن أن يتم بمجرد تحطيم المرآة فهو خاطئ إلى أبعد الحدود لأن الصورة ستكون أخذت مكانها في الوعي الفردي والجماعي لا محالة، وكي يتم التخلص منها بشكل نهائي علينا أن نرمي كل مساحيق التجميل جانبا ونعيد رسم الصورة من جديد لكن على أساس أن نكون جديرين بها.

إن تاريخنا الطويل المرير المفعم بالهزائم والخيبات أكد أن أشكال التعاطي الرسمية والشعبية مع المحطات العصيبة التي اجتزناها ونجتازها غير مُجد بالمرة، ولا تنفع أبدا لاسترجاع الحقوق العربية المغتصبة، والحديث عن انعدام توازن القوة بيننا وبين العدو من المفترض أن يقودنا إلى التفكير في سبل تحقيقه لا التمادي في تكريس وضع الضعف والهوان الذي نعيشه حتى اليوم. لو كانت البيانات والخطب والشعارات تحقق لنا هذا التوازن المفقود لكنا تجاوزنا درجة قوة العدو بكثير، ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) (الأنفال، الآية:60)، في عالم لا يتقن غير لغة المصالح، لا يمكن المراهنة على لغة الخطابات والبيانات والشعارات الخاوية، في عالم لا يؤمن بغير القوة مذهبا وعقيدة لا يمكن تضمن لنفسك شرط البقاء طويلا، فكيف نعد لهم ما استطعنا من قوة؟؟؟
هنا يصير لزاما علينا القطع مع لغة الترجي والتشكي والتباكي والانطلاق نحو الانتزاع وبقوة، وقد كان نيتشه محقا حين قال: ((لا تَرْجُ أبداً، كف عن التشكي هكذا! انتزع، أقول لك، لا تتوقف عن الانتزاع!.))؛ والانتزاع غير قابل للتحقق في ظل أنظمة تفتقد لأبسط شروط الديمقراطية الحقيقية، ولا تولي للعلم والمعرفة الأهمية التي يستحقانها، ولا تسعى لتحقيق أمنها الغذائي، ولا تصبو إلى امتلاك أمنها القومي، بل سارعت منذ زمن طويل إلى إيداع كل بيضها في السلة الأمريكية. يحكي المفكر العربي محمد حسنين هيكل أن جلال الطالباني الرئيس العراقي، المعين أمريكيا، ذهب إلى الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتن يلتمس وده قائلا: لقد جئتك اليوم لأني لا أرغب في وضع كل البيض العراقي بسلة أمريكا، فرد عليه بوتن بالقول: أنصحك بأن لا تودع بيض بلدك في سلة أخرى غير سلة العراق. وهذا جوهر الحقيقة وصميمها، لا يعقل أن نعتقد بأننا في مستوى المواجهة الآن ونحن قد سلمنا مفاتيح بلداننا للقوى العظمى في العالم، لا يمكن أن نفكر في التصدي للعدو ونظامنا السياسي العربي تنخره سوسة الفساد والبيروقراطية والجهل وتضعفه يوما بعد يوم، من غير المعقول أن يراودنا مطمح استرداد الحقوق ونحن نستعطي القمح الصلب والطري من الغرب حتى اليوم.

إن الأمن القومي في جوهره مرتبط بتماسك الجبهة الداخلية وبالسلم الاجتماعي والخلاص من القبلية والطائفية لأجل بناء الوحدة الوطنية، كما يرتبط بالاسترتيجية العليا الوطنية التي تعنى بتنمية واستثمار كافة موارد الدولة، فضلا عن النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي كوسيلتان رئيستان وحاسمتان لتحقيق المصالح الأمنية للدولة وبناء قوة الردع الإستراتيجية وتنمية التبادل التجاري وامتلاك القدرة على إنتاج التكنولوجيا العالية والحيوية وإقامة العدالة الاجتماعية من خلال الحرص على تقريب الفوارق بين الطبقات وتطوير الخدمات.

حين تحضر الحقيقة الغائبة قد تصيبك بالفزع والدهشة معا، لكن رغم عظمة الهول والارتباك التي قد تستحوذ عليك لحظة حضور الحقيقة فأنت مطالب بأن تُعد نفسك دوما للإمساك بها مهما كلفك الأمر.

[ ... ]